الانحيازات المعرفية: مدخل لفهم كيف يخدعنا عقلنا في اتخاذ القرار

هل ما زال صاحبك يتخذ نفس الموقف عند اختيار وجبته؟ دائمًا ما يتردد بين البرجر مع كولا باردة، الخيار السريع واللذيذ، وبين قطع الدجاج المشوي مع السلطة الخضراء، الخيار الصحي الذي قد يكون أقل متعة. وكعادته، يقرر أن يأخذ البرجر ويقول لنفسه: “سأبدأ الدايت يوم الأحد ….!”

وفي السوبرماركت، وأنت تتسوق لاحتياجات الشهر، تجد عند المدخل إعلانًا عن خصم كبير يصل إلى 70% على التلفزيون. رغم أنك لم تخطط لشراء تلفزيون ولست بحاجة إليه حاليًا، إلا أن جاذبية الخصم تجذبك. قد تجد نفسك كالعادة تقرر الشراء فقط لأنك لا تريد تفويت الفرصة وتقول” ليس كل مره يأتي عرض جامد مثل هذا….!”

في نهاية السنة، بعد نزول العلاوة السنوية، تجد نفسك أمام خيارين: إما أن تستثمر جزءًا من المبلغ ليزداد مع الوقت، أو تنفقه بالكامل على رحلة طال انتظارها. بعد تفكير سريع كعادتك كل نهاية سنة، تختار السفر بالمبلغ كله وتقول: “الحياة مرة واحدة، وهذه السنة كانت مليئة بالضغوطات. أحتاج إلى سفرة محترمة….!”

 هل نحن فعلاً نتخذ هذه القرارات بوعي تام، أم أن هناك تأثيرات خفية توجهنا دون أن ندرك..؟!

هل ردود أفعالنا تجاه هذه المواقف تحدث بشكل تلقائي؟ بمعنى آخر، هل طريقتنا في اتخاذ القرارات مبرمجة نتيجة لتربيتنا ونشأتنا أو نتأثر بما نراه من حولنا ونتبع ما يفعله الآخرون؟ أم أننا نتوقف فعلاً للتفكير والتحليل قبل أن نتخذ قراراتنا بناءً على استنتاجات واعية ومنطقية نصل إليها بأنفسنا؟

يتكرر نفس السيناريو على وسائل التواصل الاجتماعي: مقطع فيديو ينتشر بسرعة البرق، يظهر شخصًا يتصرف بطريقة تخالف قانون الذوق العام. ينتشر الفيديو على التيك توك، وتتبع ذلك موجة من الآراء والهاشتاقات المختلفة على تويتر. البعض يرى في السلوك تجاوزًا للحدود الاجتماعية ويطالب بسرعة معاقبة الشخص، بينما يستغل آخرون الموقف لفتح نقاشات حول الحريات الشخصية والقيم المجتمعية، وتصعيد الجدل بخلط الأمور مع مواقف سابقة.

كيف يمكن لموقف فردي أن يولد مجموعة متنوعة من الأحكام وردود الأفعال؟ تتراوح الآراء بين من يدافعون عن الحرية الشخصية بقولهم: “لا تبالغوا… عادي، حرية شخصية”، وبين من يطالبون بتطبيق أشد العقوبات: “ترحيله أو معاقبته بأشد عقوبة“، بالإضافة إلى من يفضلون الصمت ويراقبون النقاش من بعيد.

في بعض الأحيان، نجد أنفسنا في مواقف محرجة بسبب سوء فهم لرسالة أرسلناها عبر الواتساب. قد تُفسر الرسالة بطريقة غير التي قصدناها أو تُفهم بشكل خاطئ، مما يضعنا في موقف يحتاج إلى توضيح أو اعتذار.

كم مرة واجهت موقفًا في العمل، سواء عند تقديم عرض مشروع أو خلال اجتماع، حيث تلقيت الكثير من التعليقات الإيجابية والإشادة من زملائك، لكن تعليقًا سلبيًا واحدًا حول جزئية صغيرة في العرض يسيطر على تفكيرك؟ تجد نفسك تركز على هذا التعليق السلبي، متجاهلًا كل الثناء الذي تلقيته، مما يجعلك تضخم أثر هذا النقد السلبي الذي يمثل جزءًا بسيطًا جدًا مقارنة بالآراء الإيجابية.

كيف يشكل منظورنا الخاص طريقة تفكيرنا وقراراتنا اليومية، ونظرتنا للآخرين، وإصدار الأحكام عليهم، وتفسيرنا للأمور، وتذكرنا للأحداث …؟!

رغم أن تركيبة عقولنا الفسيولوجية متشابهة كبشر، إلا أن هناك عوامل كثيرة تؤثر على طريقة تفكيرنا واتخاذ قراراتنا. تشمل هذه العوامل تجاربنا الشخصية، والثقافة التي نشأنا فيها، وتأثير المجتمع من حولنا، والمعتقدات والقيم التي نؤمن بها، وحتى حالتنا النفسية والعاطفية عندما نتخذ القرارات.

السبب الرئيسي الذي يجعل هذه العوامل تؤثر علينا دون وعي هو ما يُسمى “الانحيازات المعرفية –Cognitive Biases” وهي أخطاء منهجية في التفكير تحدث عندما نقوم بمعالجة وتفسير المعلومات بطرق غير دقيقة، مما يؤثر سلبًا على قراراتنا وأحكامنا

حتى الآن، تم تحديد حوالي 169 انحيازًا معرفيًا تؤثر بشكل كبير على طريقة تفكيرنا واتخاذ قراراتنا.أشهر هذه الانحيازات:

  • التحيز الحاضر (Present Bias): هو الميل لتفضيل المكافآت الفورية على الفوائد المستقبلية، حتى لو كانت الفوائد المستقبلية أكبر. مثال شخص يقرر إنفاق أمواله على شراء هاتف جديد الآن بدلاً من ادخارها للحصول على سيارة بعد سنة

  • التحيز التأكيدي (Confirmation Bias): هو الميل للبحث عن المعلومات التي تؤكد معتقداتنا الحالية، وتجاهل أو تقليل أهمية المعلومات التي تتعارض معها. مثال: فريق تسويق يركز على ردود الأفعال الإيجابية من العملاء حول حملة إعلانية جديدة، ويتجاهل أو يقلل من أهمية التعليقات السلبية التي تشير إلى الحاجة لإجراء تعديلات.

  • تحيز التكلفة (Sunk Cost Bias): هو الميل للاستمرار في استثمار الوقت أو المال في مشروع ما لمجرد أننا قد استثمرنا فيه الكثير بالفعل، حتى لو كان من الأفضل التوقف. مثال: مدير مشروع يصر على إكمال مشروع خاسر لأنه تم إنفاق ميزانية كبيرة عليه، رغم أن إنهاء المشروع في هذه المرحلة قد يكون أكثر فائدة للشركة

  • تحيز جر العربة (Bandwagon Effect): هو الميل لتبني فكرة أو سلوكًا فقط لأن الآخرين يفعلون ذلك، دون التفكير بعمق في مدى منطقيته.مثال: شخص يشجع فريقًا رياضيًا فقط لأن جميع أصدقائه يشجعونه، رغم أنه ليس لديه اهتمام حقيقي بالرياضة.

لكن هل وُلدنا بهذه الانحيازات المعرفية؟ في الواقع، الانحيازات المعرفية ليست شيئًا نولد به. بل هي تتشكل مع مرور الوقت من خلال تجاربنا والتأثيرات المحيطة بنا. منذ الصغر، نتعلم مما نراه ونسمعه ونختبره، ومع الوقت، يبدأ عقلنا في استخدام اختصارات ذهنية (الاستدلال – Heuristics) لتبسيط عملية اتخاذ القرار.

هذه الاختصارات أو الانحيازات المعرفية تتطور نتيجة تكرار نفس المواقف أو الأفكار، وهي تساعدنا في اتخاذ قرارات بسرعة، لكنها قد تقودنا أيضًا إلى أحكام غير دقيقة أو تفسير خاطئ للأمور. بمعنى آخر، الانحيازات المعرفية هي نتاج التجارب التي نمر بها وتأثيرات البيئة من حولنا، وليست موروثة منذ الولادة.

على الرغم من أن معظم هذه الأبحاث قد أُجريت على البشر، إلا أن هناك اكتشافات تظهر وجود الانحيازات المعرفية لدى الحيوانات. على سبيل المثال، تم إثبات وجود “Loss Aversion” لدى القرود، كما لوحظ “Hyperbolic Discounting” لدى الفئران والحمام والقرود.

الخلاصة السلوكية 💡🧠

الوعي بالانحيازات المعرفية يمكن أن يعزز قراراتك الاستراتيجية ويقودك إلى نتائج أكثر دقة وفعالية. في المقالات القادمة، سنستعرض كيفية تحويل هذه المعرفة إلى قوة في صنع القرار.

✍️ البندري فهد الحربي

متخصصة في علوم السلوك وتحليل البيانات السلوكية
لدعم قرارات السياسات العامة والتسويق

تعرف على الكاتب

شارِك… ودَع النقاش السلوكي يمتد 💬