التطور التاريخي لوحدات السياسات السلوكية وانتشارها عالميًا (2008–2024)

غلاف الدراسة

نُقدّم في هذا المقال تلخيصًا مبسّطًا ومحايدًا لدراسة نشرها الباحث فيصل نارو ↗ في يوليو 2024 ضمن مجلة Behavioral Public Policy.

تتناول الدراسة تطوّر وحدات السياسات السلوكية (Behavioral Public Policy Bodies) وتجارب الحكومات في تطبيق العلوم السلوكية خلال السنوات الماضية.

يقتصر هذا العرض على إعادة تقديم محتوى الدراسة كما ورد، دون تعليق أو تحليل أو رأي من الكاتب


📄 للاطلاع الكامل على النص الأصلي

ظهرت وحدات السياسات السلوكية (Behavioral Public Policy Bodies – BPPBs) كمبادرات حكومية تهدف إلى تحسين تصميم السياسات العامة من خلال تبنّي فهم واقعي لسلوك الأفراد، بدلًا من الاعتماد على الافتراضات العقلانية التي تقوم عليها النماذج الاقتصادية التقليدية.

استندت هذه الوحدات إلى معارف مستمدة من عدة مجالات، من بينها الاقتصاد السلوكي، وعلم النفس، والسلوك التنظيمي، ونظريات اتخاذ القرار، والعلوم المعرفية، وعلم الاجتماع، والعلوم السياسية. بدأت هذه الوحدات في شكل فرق صغيرة داخل مؤسسات حكومية، يقودها موظفون شغوفون بتطبيق الأفكار السلوكية على التحديات اليومية. ومع الوقت، تطوّرت إلى كيانات أكثر تنظيمًا، تعمل بعضها ضمن الأجهزة الحكومية، فيما يرتبط بعضها الآخر بشراكات مع الجامعات أو مراكز الأبحاث أو الشركات الاستشارية.

شهد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إنشاء أولى هذه الوحدات في دول مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ثم انتقلت إلى بلدان أخرى مثل أستراليا، كندا، سنغافورة، وجنوب أفريقيا. وكان لكتاب Nudge (2008) للمؤلفين Richard Thaler و Cass Sunstein تأثير كبير في هذا التوسع، حيث قدّم مفهوم “الدفعة السلوكية” (nudge) تعديلًا بسيطًا في بيئة اتخاذ القرار (choice architecture) يدعم الأفراد في اتخاذ خيارات أفضل دون إكراه.

بعد الأزمة المالية العالمية في 2008، لجأت الحكومات إلى أدوات سلوكية منخفضة التكلفة لمواجهة تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة، مستعيضة بذلك عن السياسات التقليدية المبنية على العقوبات أو الحوافز المالية.

في عام 2009، عُيّن Cass Sunstein في منصب رسمي في البيت الأبيض، بينما أنشأت الحكومة البريطانية أول وحدة رسمية للسياسات السلوكية تحت اسم Behavioural Insights Team بقيادة David Halpern. سرعان ما أصبحت هذه التجربة نموذجًا عالميًا.

في عام 2018، قدّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وجود 201 وحدة. أما الدراسة الحديثة للباحث فيصل نارو، فقد استخدمت نفس منهجية الـ OECD

وبيّنت أن عدد الوحدات بلغ 631 وحدة بحلول منتصف 2024، أي بزيادة تتجاوز 200٪ خلال ست سنوات فقط. تضمنت المعايير أن يكون للوحدة طاقم مخصص أو هيكل رسمي يطبّق (behavioral insights) بشكل مؤسسي ومستمر.

شكّلت الوحدات الحكومية 51٪ من الإجمالي، وتركّزت في دول مثل المملكة المتحدة والهند والبرازيل والسعودية، بينما بلغت الوحدات الأكاديمية والبحثية 126 وحدة، تليها الوحدات الخاصة بـ 109 وحدات. ويعكس هذا التوسع تحول هذه المبادرات من تجارب صغيرة إلى أدوات مؤسسية مرنة قابلة للتكيّف مع اختلاف الثقافات والإدارات.

أجرت الدراسة أيضًا استطلاعًا شمل ممثلين عن عشر وحدات مختلفة من حول العالم، بهدف فهم طبيعة عملهم، والتحديات التي يواجهونها، والدروس التي يمكن مشاركتها. رغم تنوع مواقعهم وهياكلهم، عبّر المشاركون عن سمات مشتركة أهمها:

أولاً: الالتزام بالممارسات المبنية على الأدلة: عبّر المشاركون عن التزامهم باستخدام (evidence-based practices) في تصميم وتقييم السياسات. وقد ساعدهم ذلك في تعزيز جودة القرارات الحكومية ومصداقية العمل السلوكي.

ثانياً: تحقيق أثر مجتمعي ملموس: شدّد المشاركون على أن الهدف من عملهم لا يقتصر على تطبيق علم السلوك، أو لإنجاز عدد معيّن من التجارب السنوية، بل يتمحور حول تحسين جودة الحياة، ودعم الأفراد في اتخاذ قرارات أفضل، وتعزيز مؤشرات التنمية. وأشار أحد المشاركين إلى أن هذا التوجه يُمثّل “مسارًا مبتكرًا لتسريع وتيرة التغيير الاجتماعي وتحقيق أثر تنموي ملموس على أرض الواقع”.

ثالثاً: تبنّي فهم المشكلة أولًا قبل الحل : تعتمد الوحدات نهجًا يبدأ بتشخيص دقيق للمشكلة وسلوك الأفراد في سياقهم، قبل تصميم أي تدخل. وقد تجنّبت بعض الوحدات وصف نفسها بـ”وحدات التنبيه” (Nudge Units) لتفادي سوء الفهم وتقييد دورها، مؤكدة أن الحلول تُبنى على فهم واقعي لا على نماذج جاهزة.

حددت الدراسة مجموعة من الأدوار التي تؤديها وحدات السياسات السلوكية، والتي تعكس تنوّع المهام والمجالات التي تغطيها هذه الوحدات في سياقات مختلفة:

الابتكار في تصميم السياسات
(Policy Innovation)
تعزيز الوعي بالعلوم السلوكية
(Raising Awareness of Behavioral Science)
تقديم المشورة السلوكية في السياسات
(Behavioral Policy Advice)
تطوير السياسات المبنية على الأدلة السلوكية
(Behaviorally-Informed Policy Development)
إشراك أصحاب المصلحة والتشاور السلوكي
(Stakeholder Engagement & Consultation)
تنسيق السياسات بين الجهات
(Policy Coordination)
تحديات وحدات السياسات السلوكية

وأكد المشاركون أن مجالات عمل وحدات السياسات السلوكية تشمل قضايا معقّدة مثل الصحة، و السياسة الاجتماعية، و البيئة، و الطاقة، و السياسات الرقمية. وقد اعتبر بعضهم أن طبيعة التحديات التي يواجهونها تندرج ضمن ما يُعرف بـ “المشكلات المعقّدة” (wicked problems)، نظرًا لتشابك أبعادها، كما هو الحال في قضايا الفقر، و العنف الأسري، و تغير المناخ.

في هذا السياق، برزت عدة تحديات رئيسية واجهت هذه الوحدات، تمثّلت في:

إدارة التوقعات – Managing Expectations

اختلف علماء السلوك مع قادة المؤسسات حول ماهية وحدات السياسات السلوكية، حيث ظن بعضهم أنها تقتصر على تحسين محتوى رسائل الاتصال والتسويق، بينما تشمل في الواقع أدوات مثل هندسة الخيارات، تصميم المنتجات، وتبسيط الإجراءات.

سوء الفهم حول العلوم السلوكية – Misunderstanding of Behavioral Science

اعتقد البعض أن العلوم السلوكية تتضمن التلاعب وغسل العقول، مما أضعف الثقة وأثار قلقًا حول استخداماتها في السياسات.

ضعف الاستدامة – Sustainability

ترتبط استمرارية الوحدات غالبًا بأفراد محددين، مما يهدد بقاءها عند مغادرتهم، خاصة مع غياب هيكل مؤسسي داعم.

الفجوة بين الباحثين وصناع القرار – Gap Between Researchers and Policymakers

واجهت الوحدات صعوبة في إقناع صناع السياسات بالحاجة لتجريب علمي صارم للتدخلات، وأهمية وجود باحثين مرنين قادرين على التفاعل مع الواقع السياسي.

ضعف القدرات المؤسسية – Institutional Capacity

في بعض السياقات، لم تكن هناك خبرات كافية داخل الوحدات أو في السوق المحلي لتنفيذ تجارب سلوكية أو تقييم السياسات بشكل فعّال.

الجمود المؤسسي – Institutional Inertia

تردد بعض صناع القرار في تبني التجريب خوفًا من النتائج أو تعقيد العملية، خاصة في بيئات لا تقدّر النتائج السلبية كمصدر للتعلّم.

ضعف الإقبال الداخلي – Lack of Internal Uptake

واجهت بعض الوحدات فتورًا من القادة أو صناع القرار في تبنّي خططها، إما بسبب ضعف الطلب في البداية، أو نقص القدرة لاحقًا رغم تصاعد الاهتمام.

اختلاف السياقات الثقافية – Cultural and Contextual Variations

لا يمكن للوحدات تطبيق نتائج مستخلصة من عينات غربية دون تكييفها مع السياق المحلي والثقافة الوطنية.

قيود القطاع العام – Public Sector Constraints

واجهت بعض الوحدات تحديات مثل عدم استقرار التمويل، تغيّرات هيكلية متكررة، وتقلبات في القيادة السياسية أو الإدارية.

ضعف البيانات – Lack of Reliable Data

أشار بعض المشاركين إلى غياب البيانات الدقيقة أو الحديثة، مما يعيق تصميم السياسات المبنية على الأدلة.

الاعتبارات الأخلاقية – Ethical Concerns

رغم قلة من ذكرها، تُعد الأخلاقيات عاملًا مهمًا لضمان الاستخدام المسؤول للرؤى السلوكية في صنع القرار.

من خلال هذه التحديات، خرج المشاركون بمجموعة من الدروس العملية التي يمكن أن تُرشد عمل وحدات السياسات السلوكية حول العالم:

التركيز على المشكلة لا الحلول الجاهزة (Be Problem Driven & Focus on Impact)

شدّد المشاركون على أهمية البدء بتشخيص دقيق للمشكلة قبل التفكير في أي تدخل. كما دعوا إلى تطبيق المبادئ السلوكية على أداء الفرق نفسها، وتجنّب التحيز لاستخدام أدوات مألوفة دون فهم السياق، مع تصميم تدخلات فعّالة وقابلة للتطبيق.

بناء منظومة متعددة التخصصات وتحالفات قوية (Be Multidisciplinary & Develop a Supportive Ecosystem)

لا يكفي وجود داعمين في مواقع عليا؛ بل تحتاج الوحدات إلى فرق متنوعة تمتلك مهارات مختلفة، وقدرة على تجاوز العوائق المؤسسية. كما أوصوا بتكوين شبكة علاقات واسعة داخل وخارج المؤسسات لدعم استدامة العمل وتوسيع أثره.

تصميم التدخلات بما يسمح بتوسيع نطاقها (Design for Scale)

حثّ المشاركون على التفكير بالتوسّع منذ البداية، عبر فهم القيود المحلية مثل الموارد والجدوى السياسية. فنجاح التدخلات السلوكية مرتبط بقدرتها على التأثير على نطاق واسع.

الاعتماد على السرد القصصي في عرض النتائج (Create a Narrative)

البيانات وحدها لا تكفي. يجب أن تُقدَّم ضمن قصة توضّح أهمية المشكلة، وتُبرز أثر السياسات على حياة الناس. هذا الأسلوب يعزّز الشفافية ويخلق ثقافة تعلم داخل الوحدة.

إضفاء الطابع المؤسسي على عمل الوحدة (Formalize Your Body)

دعا المشاركون إلى توثيق الرسالة، الأهداف، وآليات العمل بوضوح. هذا الإطار المؤسسي يساعد على إدارة التوقعات، ويُسهّل نقل التجربة إلى بيئات أخرى باحترافية واستدامة.

الخلاصة السلوكية 💡🧠

اختتمت الدراسة بالتأكيد على أن وحدات السياسات السلوكية باتت تلعب دورًا متزايدًا في السياسات العامة، لكنها ليست حلولًا سحرية. نجاحها يعتمد على جودة التشخيص، وفهم السياق المحلي، وبناء منظومات متكاملة. ودعت إلى أن يكون التوسع المستقبلي قائمًا على الأدلة والتجارب الوطنية لا مجرد استنساخ نماذج عالمية.

✍️ البندري فهد الحربي

متخصصة في علوم السلوك وتحليل البيانات السلوكية
لدعم قرارات السياسات العامة والتسويق

تعرف على الكاتب

شارِك… ودَع النقاش السلوكي يمتد 💬