تعزيز عادة الادخار للأفراد من خلال تبني الرؤى السلوكية في تطوير البرامج العامة

في قلب الرياض، عاصمة السعودية التي انضمت مؤخرًا لقائمة المدن التي لا تنام، هي ليست مجرد مدينة، بل عالم مليء بالفعاليات الترفيهية المستمرة والتجارب الرهيبة والغريبة، ومطاعم وكافيهات مبتكرة. في وسط هذه المدينة التي تعج بالحماس وتُرد الروح، يعيش خالد كموظف في إحدى الشركات، ويستمتع براتب شهري يُقدّر بـ 8 آلاف ريال. كان دائمًا يفتخر بقدرته على إدارة أمواله، معتقدًا أنه يتصرف بحكمة، حيث كان يستفيد من التخفيضات ويحضر الفعاليات ويسافر بأسعار مخفضة، وكان يُعرف بلقب “القناص خالد” بسبب ذكائه في العثور على الصفقات…

في نهاية عام ٢٠١٩، فيما كان يتجول في سناب شات كعادته، ظهرت لخالد إعلانات جذابة من عروض اليوم الوطني السعودي. ولفتت نظره ساعة يد فخمة بخصم كبير يصل إلى 80% من خمسة آلاف إلى ألف ريال فقط! قام خالد، بدون تفكير، واشتراها مبررًا ذلك بأن عروض اليوم الوطني فرصة لا تُفوت، على الرغم من أن مبلغ الساعة يفوق 12% من راتبه. كان طبع خالد يميل دائمًا إلى الإنفاق المالي ولا يقصر على نفسه، حيث كانت هذه اللحظات تمنحه شعورًا فوريًا بالرضا والسعادة، لكن في الواقع، كانت تخفي وراءها حقيقة غير مرضية، إذ كان حسابه البنكي يتناقص تدريجيًا…

دون أن يدرك أنه تحت تأثير (تحيز الحاضر – Present Bias) والذي يعرف بتفضيل المكافآت اللحظية دون التفكير في الآثار المستقبلية على حسابه البنكي.

وبما أننا في عالم يتنافس فيه الناس على مواكبة الهبات والتريندات كأنهم في سباق ماراثون لا ينتهي، وجد خالد نفسه ينفق ماله وراء التريندات التي يروج لها مشاهير التيك توك، مهملًا الادخار والاستثمار لمستقبله. ومثلما فعل سابقًا في استغلال عروض المناسبات الموسمية، يبرر خالد تصرفاته المالية برغبته في تجنب العزلة وفكرة “أكون مع الناس حي”…

من غير أن يدرك أنه يقع تحت تأثير ( تحيز جر العربة – Bandwagon effect) حيث تقوده الرغبة في الانتماء إلى الجماعة من خلال اتباع سلوكيات الآخرين فقط

يعتقد خالد بأنه “فاهم” في إدارة أمواله، إذ يسعى دائمًا لشراء الأشياء بأقل تكلفة ممكنة وتوفير الأموال لاستخدامها في مشتريات أخرى. فكلما كان مع أصحابه في الاستراحة، يتحدث دائمًا عن مشروعه المستقبلي بالثقة بمقولته الدائمة: “عندي مشروع محد فكر فيه إلى الآن… وفيه ناس كثير يحتاجونه… ويجيب ذهب…!” يبرر لهم أنه سيكون في ذلك الوقت متفرغًا وسيحقق أرباحًا مستمرة بناءً على مشروعه الخيالي الذي لم يبدأ به!!

هو لا يعلم بأن تصرفه هذا يحدث بسبب تأثير (تحيز الثقة المفرطة – Overconfidence Bias) حين يعتقد الشخص بنجاح خططه المالية بناءً على الحدس فقط ومستندًا إلى توقعاته بزيادة دخله في المستقبل.

وخلال النقاش مع أصدقائه حول كيفية تحقيق دخل إضافي وأهمية البدء في الادخار والاستثمار في وقت مبكر لتحقيق الفوائد على المدى الطويل، شعر خالد بالحماس والشغف مع كل كلمة يتحدثون بها عن الأرباح. ورغم ذلك، شعر بالتردد في اتخاذ هذه الخطوة بسبب شكوكه في قدرته على فهم الإجراءات المالية والمخاطر المحتملة. لذا، قرر الاكتفاء بالبقاء على الجانب الآمن وعدم المخاطرة.

دون أن يدرك أن تصرفه هذا ينبع من تأثير (تحيز تجنب الغموض – Ambiguity Aversion) حيث يميل إلى تجنب الاستثمار بسبب عدم وضوح النتائج، مفضلًا الاحتفاظ بأمواله في حسابه الجاري.

في كل مرة يجلس خالد ليعيد النظر في قراراته المالية، ويتسأل هل هو فعلاً يسير في الطريق الصحيح؟ يجد نفسه محاطًا بأصوات تردد أقوالاً مثل أهلنا ما دخروا وما ماتوا والمثل الشهير “اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب” بالإضافة إلى فيديوهات التيك توك التي تروج لفكرة “اسعد نفسك واستمتع بيومك، أنت تستحق” كل هذه الأصوات تشكل ضجيجًا يصعب تجاهله. ومع ذلك، كانت تظهر له أيضًا رسائل معارضة تحذره من مخاطر نمط إنفاقه وتأخير الادخار منها القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود وأيضاً “من اشترى ما لا يحتاج إليه، باع ما يحتاج إليه.”و لكنه يتجاهلها !! 

وعندما يبحث خالد عن تغريدة أو فيديو يعزز وجهة نظره تعمل خوارزميات المنصات على تقديم محتوى يؤكد له أنه على حق مثل اعتقاده أن من لا يدخر ولا يستثمر يمكنه العيش بدون أزمات مالية

مما يغرقه أكثر في تأثير (التحيز التأكيدي – Confirmation bias) حيث يرى فقط المعلومات التي تدعم قناعاته الحالية ويتجاهل المعلومات التي تتعارض مع قناعته

وعندما ضربت جائحة كورونا العالم بشكل مفاجئ، وجد خالد نفسه وسط عاصفة لم يكن مستعدًا لها. كانت قراراته المالية السابقة، التي اتخذها تحت تأثير (الانحيازات المعرفية – Cognitive biases) دون أن يدرك ذلك، تُظهر الآن عواقبها! مع بدء شركته في تقليص الرواتب وتسريح الموظفين كرد فعل للأزمة، أصبح من الواضح أن خالد كان يعيش بلا خطة مالية مستدامة وبلا أي حساب أو مبلغ ادخاري. هذه الأزمة المالية المفاجئة أجبرت خالد على التفكير بجدية بأن:

" الادخار ليس مجرد خيار، بل ضرورة وأن الاستعداد للمستقبل يبدأ اليوم "

القصة أعلاه لا تنبع من عالم الخيال، بل تسلط الضوء على التحديات الحقيقية التي يواجهها الأفراد في إدارة أموالهم في عصرنا الحالي، عصر الإشباع الفوري والضغوط الاجتماعية التي تدفع نحو الاستهلاك التفاخري دون وعي منا. خالد ليس إلا مثالًا حيًا للعديد من الأشخاص الذين يعيشون في صراع بين رغبة الاستمتاع باللحظة الراهنة والحاجة الملحة للادخار والتخطيط المالي السليم لضمان مستقبل مستقر.

الادخار يشكل تحديًا عالميًا كبيرًا، على الرغم من كونه ركيزة أساسية للتعامل مع الأزمات المالية غير المتوقعة وضمان معيشة كريمة. فمن المؤسف أن تعتبر نسب الادخار في السعودية من أدنى معدلات الادخار عالميًا، إذ لا تتجاوز ٢٪…!!”

Artboard 1 1
الادخار عالمياً
Artboard 3 1

قد يُعزى انخفاض معدلات الادخار في السعودية إلى عدة عوامل، من أبرزها:

  • الانحيازات المعرفية والعوامل الاجتماعية والثقافية التي تلعب دورًا هامًا في تحديد مستوى ادخار الفرد. حيث إن للمواطن السعودي خصوصية مختلفة وهي عادة الكرم الأصيلة في عادات العرب وتعد عنصر أساسي ضمن عوامل المسؤولية والترابط الاجتماعي والتي تتطلب الدعم المالي خارج نطاق الفرد الواحد لتصل إلى الأقارب والأسر سواء في المناسبات أو الأزمات المالية
  • ضعف الوعي المالي بأهمية تشجيع الناس لادخار الأموال لمستقبل أفضل، بالرغم بأن هناك بعض العوائل والقبائل التي قامت بوضع صناديق للأسرة تساهم في دعم بقية الأفراد عند الحاجة. مما يشير إلى بقاء واستمرار الترابط الاجتماعي وتكيفه مع تغير الأوضاع الاقتصادية

رغم الجهود القيمة التي تقدمها المبادرات الفردية والمجتمعية، هناك أيضًا مبادرات حكومية تدعم تحقيق الطموحات الكبرى لرؤية 2030، التي تهدف إلى رفع معدل الادخار الأسري من 6٪ إلى 10٪ بحلول عام 2030. من بين هذه المبادرات الحكومية، برنامج “زود” الادخاري الذي أطلقه بنك التنمية الاجتماعية في السعودية عام 2018. يهدف هذا البرنامج إلى تشجيع المواطنين على الادخار وتعزيز ثقافة الادخار المالي بينهم.

111 1

وكما رأينا أيضاً، في فبراير من العام الحالي 2024، فقد تم إطلاق منتج “صح” للصكوك الحكومية للادخار، الذي يقدم عائدًا سنويًا يصل إلى 5٪. تعد هذه الخطوة البارزة جزءًا من جهود تشجيع المواطنين على الاستثمار والادخار بشكل فعال. تعمل هذه المبادرات الحكومية، إلى جانب الجهود الفردية والمجتمعية، على تحسين الوعي المالي وتقديم خيارات استثمارية تلبي احتياجات الأفراد وتطلعاتهم.

%D9%A5

إذاً … كيف يمكن لصناع القرار تشجيع الأفراد على تحسين عاداتهم السلوكية من ” الاستهلاك ” إلى “الادخار” بفعالية

 

لدفع الأفراد نحو السلوك المرغوب، يتعين علينا أولاً فهم دوافع السلوك البشري بعمق. يشمل ذلك الغوص في آلية تفكيرهم، وطرق اتخاذهم للقرارات، والكشف عن المحفزات أو العقبات السلوكية التي تعيق التحول من السلوك غير المرغوب “الإنفاق والاستهلاك” إلى السلوك المرغوب “الادخار”.

رغم قلة المعلومات حول توثيق ونشر تجارب العلوم السلوكية المتعلقة بتشجيع الادخار في دول الخليج، فإن مبادرة الإمارات العربية المتحدة لإصدار صكوك وطنية تهدف إلى دعم الوعي المالي والادخار تبرز كخطوة مؤثرة. ومع أن البرنامج لم يُذكر بشكل مباشر عن استخدام التقنيات السلوكية، إلا أن استنادًا إلى تحليلنا، يُظهر البرنامج استخدام مبادئ سلوكية ضمنيًا، مما يدل على استفادته من رؤى سلوكية في تصميمه وتنفيذه بطريقة غير مباشرة

لقد بلغت محفظة الصكوك الوطنية في الإمارات 13.7 مليار درهم في عام 2022، بزيادة نسبتها 15% مقارنة بعام 2021 وتشمل هذه الزيادة من ادخار الأفراد والمؤسسات 

ومن جانب آخر، أثبتت تجارب العلوم السلوكية نجاحها في تعزيز ثقافة الادخار، مثل التجربة السلوكية الملهمة التي تُعرف بـ “ادخر أكثر غداً – Save More Tomorrow التي قام بها علماء الاقتصاد السلوكي Richard H. Thaler وShlomo Benartzi. يعتبر هذا المشروع نموذجًا بارزًا لكيفية استغلال الرؤى السلوكية في تحسين عادات الادخار للتقاعد. حيث يواجه المشروع التعرف على المعوقات السلوكية الشائعة التي تعيق الفرد عن الادخار الفعّال، مرتكزًا على الفهم بأن الأفراد يميلون بطبيعتهم للإنفاق الآني على حساب التخطيط المالي للمستقبل، بفعل التحيزات مثل تقدير المكافآت الفورية وتأجيل القرارات الصعبة. ركز المشروع على عدة انحيازات رئيسية، أهمها انحياز النفور من الخسارة، بحيث يتم خصم الادخار مع مبلغ العلاوة، بالإضافة إلى انحياز الوضع الراهن بحيث تكون مشاركتهم تلقائية في البرنامج. ملخص التجربة بالانفوجرافيك أدناه:

WhatsApp Image 2024 05 27 at 6.40.20 PM 1
WhatsApp Image 2024 05 27 at 6.40.20 PM 2

تعزيز عادة الادخار ليس بمفهوم جديد، بل موروث عبر الأجيال. فالجهود المستمرة من قبل الحكومات والقطاع الخاص في سبيل تشجيع الأفراد على الادخار لا تتوقف، معتمدين في ذلك على مجموعة متنوعة من الاستراتيجيات التقليدية التي تشمل حملات التوعية والإعلانات، بالإضافة إلى المكالمات الهاتفية غير المتوقعة من ممثلي البنوك، ورسائل الجوال التي تزود المستخدمين بنصائح مفيدة حول كيفية توفير المال. رغم هذه الجهود الكبيرة، لا يزال تحقيق النتائج المنشودة يمثل تحديًا كبيرًا.

فمحاولة استنساخ نماذج الادخار الناجحة من بلدان أخرى، أو تطوير برامج وتطبيقات استنادًا إلى معايير محددة مسبقًا، قد لا تكون كافية لضمان النجاح. السر يكمن في تصميم برامج خاصة حسب احتياج سكان المملكة تجعل من الادخار خيارًا جذابًا وسهل التطبيق، من دون فرض قيود أو إجبار؟!!

المفتاح الرئيسي هو دمج الرؤى السلوكية في تطوير السياسات والبرامج لتشجيع الادخار بين جميع الفئات العمرية والاجتماعية، من خلال فهم دقيق لسلوكيات الأفراد ومحفزات الادخار. حيث تساعد الرؤى السلوكية في معرفة العادات السلوكية الخاصة بالسعوديين بشكل خاص وسكان المملكة بشكل عام، مثل النفور من الخسارة وتحيز الحاضر والتسويف. هذا الفهم يساعد في تصميم استراتيجيات فعالة بعكس الأساليب التقليدية تتناول كيفية تخطي التحديات مثل الإنفاق المفرط قبل رمضان وعيد الفطر، ومواجهة شهر شوال، الذي يُعرف بأصعب الأوقات مالياً، مع التركيز بشكل خاص على الأشخاص ذوي الدخل المنخفض والمحدود.

كصانع قرار تذكر بأن العلوم السلوكية ليست حل سحري لأزمة الادخار لدى المجتمع، بل تقوم بفهم سلوك الأفراد مثل خالد بشكل خاص والتعرف على انحيازاته التي تحدد سلوكه الاستهلاكي بالإضافة إلى تفاعله مع الأحداث والمناسبات في محيطه الأسري والاجتماعي وتحلل هذا التفاعل على المستوى الاقتصادي ثم تقوم بتقديم حلول عملية تناسب الأفراد بدلًا من تقديم التوعية والنصح فحسب.

الخلاصة السلوكية 💡🧠

العلوم السلوكية لا ترى بأن خالد استثناء للمجتمع …!! 

 بل ترى بأننا جميعنا نتعرض للانحيازات لأننا ببساطة لسنا “عقلانيين” دائمًا، بل تغلبنا عواطفنا ورغباتنا في صناعة قراراتنا الاقتصادية ولذلك نقوم كمتخصصين في مجال العلوم السلوكية على وضع تصرفات خالد في قوالب يسهل فهمها على صناع القرار وبالتالي وضع تدخلات مبنية على الرؤى السلوكية تساهم في تحسين وتعزيز صناعة القرار لديه وبالتالي رفع مستوى الادخار لدى المجتمع.

✍️ البندري فهد الحربي

متخصصة في علوم السلوك وتحليل البيانات السلوكية
لدعم قرارات السياسات العامة والتسويق

تعرف على الكاتب

✍️ محمد صالح البشري

متخصص في العلوم السلوكية والصحة العامة

تعرف على الكاتب

شارِك… ودَع النقاش السلوكي يمتد 💬