المؤشر الأول: تحليل لمؤشري التقدير المجتمعي مقابل تأسيس المشاريع
عند طرح سؤال على السعوديين:
“هل ترى أن تأسيس مشروع خاص يُعد خيارًا مهنيًا جيدًا في المجتمع؟”
أجاب نحو 96% منهم بـ”نعم” — وهي النسبة الأعلى خلال السنوات التسع الماضية.
هذا الرقم يعكس تحولًا ثقافيًا حقيقيًا :
ريادة الأعمال لم تعد حكرًا على المغامرين، بل أصبحت تُنظر إليها كخيار مهني محترم ومقبول اجتماعيًا.
سلوكيًا، يعكس هذا ما يُعرف بـ “المعيار الاجتماعي المعياري” (Injunctive Norm) —
أي أن المجتمع لا يكتفي بتقبّل الريادة، بل يعتبرها سلوكًا “صحيحًا” ومحبّذًا. كما كان يُمنح هذا التقدير سابقًا لمهن مثل الطبيب أو المهندس عند تحقيق درجات دراسية عالية.
⚠️ السلوك المتوقع سلوكيًا:
حين يحظى سلوك ما بهذا القدر من التقدير، يُفترض أن ينعكس ذلك في سلوك الأفراد — عبر ارتفاع نواياهم ومبادراتهم لتأسيس المشاريع.
❗️ لكن البيانات الفعلية بالتقرير تُظهر عكس ذلك:
فقط 26% من السعوديين يشاركون فعليًا في نشاط ريادي، مقارنة بـ 37% في عام 2021.
أي أن السلوك الفعلي في حالة تراجع… رغم أن المجتمع بات أكثر دعمًا من أي وقت مضى.
🧠
التفسير السلوكي:
هذا التناقض يُجسّد ما يُعرف في علم السلوك بـ
فجوة النية–السلوك (Intention–Behavior Gap)
— أي أن الأفراد يملكون القناعة الداخلية والدعم الاجتماعي لبدء مشاريعهم، لكن ذلك لا ينعكس في سلوكهم الفعلي.
وفقًا لـ
نظرية السلوك المخطّط (Theory of Planned Behavior)
، فإن النية وحدها لا تكفي لتحفيز الفعل، بل يجب أن تتوافر عناصر ثلاثة:
- ✅ الموقف من السلوك (Attitude toward the behavior)
- ✅ المعيار الاجتماعي الذاتي (Subjective Norm)
- ❌ التحكم السلوكي المُدرَك (Perceived Behavioral Control)
ورغم تحقق العاملين الأول والثاني في السياق السعودي (تقدير مرتفع + دعم اجتماعي)، إلا أن العنصر الثالث — أي ما يُحفّز السلوك فعليًا — غالبًا ما يكون غائبًا، مما يُضعف الانتقال من النية إلى الفعل.
وتتجلى صور هذا الغياب في عوائق سلوكية متكررة، مثل:
- ضعف الكفاءة الذاتية (Low Self-Efficacy)
- تضخيم العتبة الأولى (High Perceived Threshold)
- الخوف من الفشل (Fear of Failure)
- غياب المحفّز السلوكي (Lack of Behavioral Trigger)
النمط المتكرر هنا هو:
قناعة + تقدير + دعم = دون فعل.
وهو ما يجعل فجوة النية والسلوك ظاهرة تستحق تفكيكًا سلوكيًا عميقًا، لا مجرد تفسير تقليدي بالمخاطر أو نقص التمويل.
✅ ما الذي نحتاجه لتجاوز التحدي؟
الرسائل العامة لا تكفي؛ ما يُطرح من حلول تقليدية يتجاهل جذور التردد السلوكي، ويُبقي النية معلّقة بلا فعل.