قراءة سلوكية للواقع الريادي السعودي من خلال تقرير GEM 2024–2025

يُعد تقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال (GEM) من أبرز التقارير الدولية في مجال ريادة الأعمال. يغطّي أكثر من 50 دولة، ويعتمد منهجية موحّدة تتيح المقارنة بين البيئات الريادية المختلفة. لا يقتصر التقرير على قياس نوايا الأفراد واستعداداتهم لبدء مشاريعهم، بل يتناول أيضًا التحديات التي يواجهونها، والدوافع التي تحفّزهم، ومدى ثقتهم بقدراتهم على خوض تجربة ريادة الأعمال.

ومنذ عام 2016، بدأت المملكة العربية السعودية في إصدار نسختها الوطنية من التقرير بشكل سنوي، لتقدّم من خلالها قراءة لأهم ملامح المشهد الريادي المحلي. وتسلّط هذه النسخة الضوء على تصوّرات السعوديين تجاه الفرص المتاحة، وتقييمهم لقدراتهم، ومدى جاهزيتهم العملية للبدء الفعلي في مشاريعهم.

واليوم، أصبحت ريادة الأعمال أكثر حضورًا في الوعي السعودي من أي وقت مضى. فقد ارتفعت مكانة رائد الأعمال اجتماعيًا، بوصفه “قدوة” وشخصًا ناجحًا ومؤثرًا، وبلغ مستوى التقدير المجتمعي لريادة الأعمال 95% في عام 2024، وهي من أعلى النسب المسجّلة عالميًا.

يكمن خلف هذه المؤشرات كمٌّ من الأنماط السلوكية المعقّدة، التي لا تكشفها الأرقام المجردة. لا تقتصر هذه المقالة على رصد المؤشرات، بل تتجاوزها إلى تحليل سلوكي أعمق، لفهم المحرّكات التي تدفع الأفراد نحو المبادرة، والعوائق التي تعترض قرارهم بالبدء.

وانطلاقًا من ذلك، نبدأ بتحليل الفصلين الأول والثاني من التقرير، ونتناول مجموعة من الأسئلة المفتاحية التي تساعدنا على تفكيك الفجوات السلوكية في المشهد الريادي السعودي:

  • لماذا يرى كثير من السعوديين الفرص، لكنهم لا يبدأون؟
  • ما الذي يجعل الحماس يتراجع رغم تحسّن البيئة الداعمة؟
  • ولماذا يبقى الخوف من الفشل حاضرًا، رغم وجود الدعم الحكومي والمجتمعي؟
تقرير GEM

هذه الأسئلة لا نجد لها إجابة مباشرة في المؤشرات، لكنها تفتح بابًا لفهم أعمق لما وراء الأرقام. فالمشكلة ليست نقصًا في البيانات، بل وجود فجوة سلوكية تستدعي تفكيكها وتحليلها. فريادة الأعمال — كما تشير المؤشرات — ليست مجرد قرار اقتصادي، بل سلسلة من التفاعلات النفسية والاجتماعية التي تتشكل داخل الفرد.

حتى نفهم كيف يتشكّل القرار الريادي ويتحوّل إلى فعل، نلجأ إلى إطار تحليلي يُعرف باسم سلسلة اتخاذ القرار السلوكي (Behavioral Decision Chain)، والذي يفترض أن السلوك الريادي لا يحدث دفعة واحدة، بل يمر بخمس مراحل مترابطة:

📌 إدراك الفرصة
💡 الثقة بالقدرات
📝 نية القيام بالفعل
🚀 اتخاذ الفعل
🔁 استمرارية الفعل

وفق هذا التصوّر، من المفترض أن تتدرج قرارات الفرد بسلاسة من مرحلة إلى أخرى، دون توقفات أو انتكاسات.

غير أن البيانات الفعلية في تقرير GEM الوطني السعودي 2024–2025 ترسم صورة مغايرة، تكشف عن انقطاعات واضحة في هذا التسلسل. فكثير من السعوديين يرون الفرصة، ويثقون بقدراتهم، ويحظون بتقدير مجتمعي مرتفع لريادة الأعمال… ثم، وعلى الرغم من كل هذه المؤشرات الإيجابية، يتوقف كل شيء عند عتبة الفعل — دون أن تُتخذ الخطوة الحاسمة نحو التنفيذ.

هذا التعطّل في السلسلة لا يظل مجرد فرضية، بل تؤكده دراسات ميدانية في السياق السعودي. ففي دراسة بعنوان “Investigating the Entrepreneurial Intentions and Action Gap in the Saudi Context، تم تتبّع عيّنة من الخريجين، وأظهرت النتائج وجود فجوة ملحوظة بين النية الريادية والتصرف الفعلي، رغم وجود حماس ونوايا عالية. وأرجعت الدراسة هذا التراجع إلى عوامل محلية شائعة، أبرزها: نقص الخبرة العملية، تعقيد الإجراءات الرسمية، والخوف من الفشل أو التعرض للعقوبات.

كما أظهرت دراسة أخرى بعنوان “Investigating Entrepreneurial Intentions and Behaviours of Saudi Distance Business Learners“،التي أظهرت أن النية الريادية تتأثر بشكل مباشر بالموقف الإيجابي تجاه الريادة (Attitude toward the Behaviour) وبالشعور بالتحكّم السلوكي (Perceived Behavioural Control)، لكن تنفيذ السلوك لا يتحقق إلا إذا دعمت النية بكفاءة ذاتية ومهارات تنفيذية واضحة. كما كشفت عن أدوار نفسية وسيطة تفسّر لماذا لا تتحول النية إلى فعل ما لم يكن المسار مدعومًا بإحساس بالجاهزية والقدرة على التنفيذ

هذه النتائج تؤكد أن النمط السلوكي المحلي يتبع من حيث الشكل تسلسل اتخاذ القرار، لكنه يتعطّل بفعل عناصر سياقية، ثقافية، ومؤسسية. وهنا تتجلّى الحاجة لقراءة المؤشرات من منظور سلوكي، لا رقمي فقط.

🧩 أسئلة التحليل السلوكي:

1

ما الذي يمنع القرار؟

2

أين يتعطل السلوك؟

3

لماذا لا يتحول الإدراك أو الوعي إلى فعل فعلي؟

فالمؤشرات لا تُقرأ كنسب مفصولة، بل كعلاقات متداخلة تكشف عن فجوات سلوكية، وانحيازات معرفية، وعوائق غير مرئية.

كل تفاوت بين مؤشرين — مثل ارتفاع التقدير المجتمعي مقابل انخفاض نسبة المبادرة، أو ارتفاع إدراك الفرص مقابل استمرار الخوف من الفشل — هو علامة على سلوك متعطّل يحتاج إلى تحليل قبل التدخّل.

ولهذا نلجأ إلى أدوات العلوم السلوكية، لا لفهم ما حدث فقط، بل لاكتشاف ما يمكن تغييره. فهدف العلوم السلوكية ليس التفسير فقط، بل تحفيز السلوك الإيجابي، وتحقيق الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ.

القيمة الحقيقية لا تكمن في المؤشرات المفردة، بل في العلاقة بينها. فالسلوك لا يُفهم من رقم واحد، بل من الفجوة بين رقمين. وحين نربط المؤشرات، نبدأ فعلًا بفهم سلوك الريادي، وتحديد مكان التعطل، وما الذي يمكن فعله لتجاوز الحواجز السلوكية.

وبناءً على هذا الإطار التحليلي، نبدأ بقراءة المؤشرات السلوكية التي تناولها التقرير — لا كمؤشرات مستقلة، بل كأجزاء من سلسلة مترابطة. وفي الفقرات التالية، نحلل المؤشرات المرتبطة بكل مرحلة من مراحل اتخاذ القرار، ونستخرج ما تكشفه من فرص وتحديات سلوكية في البيئة الريادية السعودية.

سلايدات المؤشرات السلوكية

المؤشر الأول: تحليل لمؤشري التقدير المجتمعي مقابل تأسيس المشاريع

عند طرح سؤال على السعوديين:

“هل ترى أن تأسيس مشروع خاص يُعد خيارًا مهنيًا جيدًا في المجتمع؟”

أجاب نحو 96% منهم بـ”نعم” — وهي النسبة الأعلى خلال السنوات التسع الماضية.

هذا الرقم يعكس تحولًا ثقافيًا حقيقيًا :
ريادة الأعمال لم تعد حكرًا على المغامرين، بل أصبحت تُنظر إليها كخيار مهني محترم ومقبول اجتماعيًا.

سلوكيًا، يعكس هذا ما يُعرف بـ “المعيار الاجتماعي المعياري” (Injunctive Norm) — أي أن المجتمع لا يكتفي بتقبّل الريادة، بل يعتبرها سلوكًا “صحيحًا” ومحبّذًا. كما كان يُمنح هذا التقدير سابقًا لمهن مثل الطبيب أو المهندس عند تحقيق درجات دراسية عالية.

⚠️ السلوك المتوقع سلوكيًا:
حين يحظى سلوك ما بهذا القدر من التقدير، يُفترض أن ينعكس ذلك في سلوك الأفراد — عبر ارتفاع نواياهم ومبادراتهم لتأسيس المشاريع.
❗️ لكن البيانات الفعلية بالتقرير تُظهر عكس ذلك:
فقط 26% من السعوديين يشاركون فعليًا في نشاط ريادي، مقارنة بـ 37% في عام 2021.
أي أن السلوك الفعلي في حالة تراجع… رغم أن المجتمع بات أكثر دعمًا من أي وقت مضى.
🧠 التفسير السلوكي:

هذا التناقض يُجسّد ما يُعرف في علم السلوك بـ فجوة النية–السلوك (Intention–Behavior Gap) — أي أن الأفراد يملكون القناعة الداخلية والدعم الاجتماعي لبدء مشاريعهم، لكن ذلك لا ينعكس في سلوكهم الفعلي.

وفقًا لـ نظرية السلوك المخطّط (Theory of Planned Behavior) ، فإن النية وحدها لا تكفي لتحفيز الفعل، بل يجب أن تتوافر عناصر ثلاثة:

  • الموقف من السلوك (Attitude toward the behavior)
  • المعيار الاجتماعي الذاتي (Subjective Norm)
  • التحكم السلوكي المُدرَك (Perceived Behavioral Control)

ورغم تحقق العاملين الأول والثاني في السياق السعودي (تقدير مرتفع + دعم اجتماعي)، إلا أن العنصر الثالث — أي ما يُحفّز السلوك فعليًا — غالبًا ما يكون غائبًا، مما يُضعف الانتقال من النية إلى الفعل. وتتجلى صور هذا الغياب في عوائق سلوكية متكررة، مثل:

  • ضعف الكفاءة الذاتية (Low Self-Efficacy)
  • تضخيم العتبة الأولى (High Perceived Threshold)
  • الخوف من الفشل (Fear of Failure)
  • غياب المحفّز السلوكي (Lack of Behavioral Trigger)

النمط المتكرر هنا هو:
قناعة + تقدير + دعم = دون فعل.
وهو ما يجعل فجوة النية والسلوك ظاهرة تستحق تفكيكًا سلوكيًا عميقًا، لا مجرد تفسير تقليدي بالمخاطر أو نقص التمويل.

ما الذي نحتاجه لتجاوز التحدي؟

الرسائل العامة لا تكفي؛ ما يُطرح من حلول تقليدية يتجاهل جذور التردد السلوكي، ويُبقي النية معلّقة بلا فعل.

المؤشر الثاني: إدراك الفرص مقابل الخوف من الفشل

عند سؤال السعوديين:

هل ترى في منطقتك فرصًا جيدة لبدء مشروع خلال الأشهر الستة القادمة؟

أجاب نحو 95% منهم بـ"نعم" — وهي نسبة مرتفعة جدًا، تُشير إلى تصوّر إيجابي للبيئة الريادية المحلية، وشعور واسع النطاق بوجود فرص حقيقية في المحيط القريب.

هذا الرقم يعكس إدراكًا عاليًا للفرص المتاحة، وهو من أقوى المحفزات السلوكية التي تدفع عادة نحو اتخاذ القرار الريادي.

سلوكيًا: يُعد إدراك وجود فرصة واضحة في البيئة المحيطة من العوامل التي يُفترض أن: يُقلل من التردد، يُعزز النية نحو الانطلاق، ويُخلق حالة من الاستعداد النفسي للسلوك الفعلي.

⚠️ السلوك المتوقع سلوكيًا:
حين يرى الفرد فرصة واضحة في محيطه، يُفترض أن يزداد استعداده للبدء، أو على الأقل تتعزّز نيته لاتخاذ الخطوة الأولى.
❗️ لكن البيانات الفعلية بالتقرير تُظهر عكس ذلك:
رغم أن 95% من السعوديين يرون فرصًا جيدة حولهم، إلا أن 57% يقولون إن الخوف من الفشل يمنعهم من البدء. الفرص موجودة… لكن الخوف أقوى. البيئة مشجّعة، لكن العائق في الداخل.
🧠 التفسير السلوكي:

رغم أن 95٪ من السعوديين يرون فرصًا واضحة في محيطهم لبدء مشروع، إلا أن نسبة كبيرة منهم لا تتحرك فعليًا نحو التنفيذ.

ما يحدث هنا يُفسَّر في علم السلوك بما يُعرف بـ تصادُم الدوافع الداخلية، أو Approach–Avoidance Conflict، حيث يجد الفرد نفسه بين دافعين متعارضين: أحدهما يُحفّزه على الإقدام، والآخر يُقيّده بالخوف أو التردد.

  • دوافع إيجابية تدفعه للتحرّك:
    • الفرصة متاحة ومُعلنة
    • البيئة الريادية أكثر دعمًا
    • المجتمع يُقدّر الريادة كمهنة محترمة
  • لكن في المقابل، دوافع مثبّطة:
    • الخوف من الفشل
    • الإحراج الاجتماعي ووصمة الإخفاق
    • غموض المسار وعدم وضوح أول خطوة

هذا التصادُم يُفعّل عدة انحيازات معرفية تُعطّل اتخاذ القرار:

  1. النفور من الخسارة (Loss Aversion): يُضخّم أثر الفشل المحتمل ويُقلّل من جاذبية النجاح.
  2. الحكم الاجتماعي (Social Judgment): الخوف من نظرة الآخرين في حال الإخفاق.
  3. ضبابية المسار السلوكي (Lack of Behavioral Clarity): غياب الوضوح حول كيف وأين يبدأ.

ووفقًا لـ نظرية السلوك المخطّط (Theory of Planned Behavior) :

لكي يتحوّل إدراك الفرصة إلى سلوك فعلي، يجب توافر ثلاث ركائز:

  • الموقف من السلوك (Attitude toward the behavior)
  • المعيار الاجتماعي الذاتي (Subjective Norm)
  • التحكم السلوكي المُدرَك (Perceived Behavioral Control)

وفي السياق السعودي، رغم توفر العاملين الأول والثاني، إلا أن العامل الثالث يظل الحلقة الأضعف — إذ يشعر كثير من الأفراد أن البداية غير آمنة، أو أن تكلفة الفشل أعلى من طاقتهم.

ما الذي نحتاجه لتجاوز التحدي؟

بالرغم من إدراك الفرص، يظل الخوف من الفشل عائقًا. والحل ليس في الخطاب التحفيزي أو الورش النظرية، بل في تدخلات سلوكية تُخفّف الخوف وتُسهّل قرار البدء.

المؤشر الثالث: مراحل النشاط الريادي — أين يتعطّل السلوك؟

بحسب تقرير GEM الوطني السعودي 2024–2025:

  • 13.4% من السعوديين في مرحلة "البدايات الريادية" (أي يديرون مشاريع أُنشئت منذ أقل من 42 شهرًا)
  • بينما 16.5% يديرون مشاريع قائمة منذ أكثر من 42 شهرًا
⚠️ السلوك المتوقع سلوكيًا:
من الطبيعي أن تكون نسبة المبتدئين أعلى من المستمرين، باعتبار أن بعض المشاريع تتوقف لاحقًا بفعل المنافسة أو الفشل.
❗️ لكن البيانات الفعلية بالتقرير تُظهر عكس ذلك:
نسبة من تخطّوا البدايات واستمروا تفوق من بدأوا أصلًا. وهذا يشير إلى “تسرّب مبكر”… قبل أول خطوة.
🧠 التفسير السلوكي:
تُعرف هذه الحالة في علم السلوك بـ “حاجز اتخاذ الخطوة الأولى” (First-step barrier / Action initiation friction)، كما أشار إليه تقرير البنك الدولي WDR 2015:
حيث يتوقف الأفراد في اللحظة التي تسبق الانطلاق مباشرة، رغم توفر الجاهزية الظاهرة. ويحدث هذا التوقف غالبًا نتيجة تراكب عدة عوائق سلوكية، أبرزها:
  • الشلل التحليلي (Analysis Paralysis): التردد الناتج عن كثرة الخيارات أو غياب الوضوح، مما يربك قرار البدء.
  • تضخيم متطلبات الجاهزية: الاعتقاد الخاطئ بأن الريادة لا تبدأ إلا بعد اكتمال المهارات والخطة والتمويل.
  • غياب محفّز التفعيل: غياب "لحظة دفع" واضحة أو عامل إشعال يحرّك السلوك من الفكرة إلى التنفيذ.
ما الذي نحتاجه لتجاوز التحدي؟

في هذه المرحلة، لا يكفي التشجيع… بل نحتاج إلى تصميم دفعة البداية عبر تدخلات سلوكية مدروسة تكسر الجمود الأولي.

  • إبراز نماذج حقيقية لبدايات صغيرة واقعية
  • تصميم خطوات أولى بسيطة وسهلة التطبيق فورًا
  • تقليل التوقعات المثالية حول "الانطلاقة المثالية"

المؤشر الرابع : دوافع الريادة — هل الطموح وحده يكفي؟

تشير البيانات إلى أن السعوديين يتحركون نحو الريادة بدوافع متقدمة:

  • 87.2% متابعة إرث عائلي
  • 81.4% كسب معيشة في ظل قلة فرص العمل (دافع اضطراري)
  • 66.5% بناء ثروة أو كسب دخل عالٍ
  • 64.1% إحداث تغيير في العالم
⚠️ السلوك المتوقع سلوكيًا:
في بيئة ريادية مزدهرة، من المتوقع أن تكون الدوافع الذاتية والطموحة (مثل: تحقيق أثر، بناء ثروة) هي المحرك الرئيسي وراء تأسيس المشاريع، وأن تتراجع الدوافع الاضطرارية أو الموروثة مع تطور الوعي والفرص.
❗️ لكن البيانات الفعلية بالتقرير تُظهر عكس ذلك:
أعلى دافع كان: متابعة إرث عائلي (87.2٪)
يليه: الضرورة الاقتصادية (81.4٪)
بينما جاءت دوافع مثل بناء الثروة (66.5٪) وإحداث التغيير (64.1٪) في المراتب الأدنى.

ما يعني أن الريادة لدى كثيرين ليست نابعة من قرار طموح مستقل، بل مرتبطة إما بموروث اجتماعي أو ظروف اقتصادية ضاغطة
🧠 التفسير السلوكي:
تُظهر البيانات ما يُعرف في علم السلوك بـ ضعف التوافق بين الهوية والسلوك (Identity–Behavior Inconsistency Oyserman, 2009)، حيث يتخذ كثير من الأفراد قرار دخول ريادة الأعمال بدوافع خارجية (مثل الإرث العائلي أو الضرورة)، لا برغبة ذاتية نابعة من قناعة شخصية.

في هذه الحالة، يغيب ما تُسميه نظرية التحفيز الذاتي بـ الدافع الداخلي المستقل (Autonomous Motivation)، ويحل محله دافع قسري أو موروث (Controlled / Introjected Motivation) Deci & Ryan, 2000.

ووفقًا لـ نظرية تحديد الذات (Self-Determination Theory), فإن هذا النوع من الدوافع:
  • أقل استقرارًا مع الوقت
  • أكثر عرضة للتلاشي عند غياب المحفزات الخارجية
  • أضعف ارتباطًا بالرضا الذاتي والإنجاز المعنوي
كما أن غلبة الدوافع الخارجية تعيق تحقق ما يُعرف بـ الاستثمار النفسي الكامل (Psychological Ownership), مما يُضعف قدرة الريادي على الابتكار، وتحمل المخاطر، والاستمرار في بيئات غير مثالية.
ما الذي نحتاجه لتجاوز التحدي؟

لمعالجة ضعف التوافق بين الدافع والسلوك، لا يكفي دعم التأسيس فقط، بل يجب تصميم تدخلات سلوكية تُعزز الدافع الداخلي (Autonomous Motivation)، وتربط بين الريادة والهوية الذاتية للفرد.

  • تصميم برامج تعزز الهوية الريادية (Identity-Based Interventions)، من خلال روايات ونماذج واقعية تعكس التنوع والطموح.
  • خلق شعور بالملكية النفسية للمشروع (Psychological Ownership) عبر إشراك الريادي في التصميم واتخاذ القرار منذ البداية.
  • إعادة ربط الأداء بالمعنى عبر تسليط الضوء على الأثر المجتمعي والإنجازات الصغيرة المبكرة.
  • تحويل الدعم الخارجي إلى تحفيز داخلي عبر تقنيات مثل Self-Reflection وMotivational Interviewing لتحفيز الالتزام طويل المدى.

فيما يلي ملخص لأهم المؤشرات السلوكية، يوضح التناقضات بين النوايا والسلوك الفعلي، ويسلّط الضوء على مواقع الخلل في رحلة ريادة الأعمال.

📊 ملخص سلوكي للمؤشرات الأربعة

المؤشر
النسبة
المتوقّع سلوكيًا
ما حدث فعليًا
ما يكشفه سلوكيًا
التقدير المجتمعي للريادة
96%
يفترض أن يشجّع على بدء المشاريع
لكن 26% فقط بدأوا فعليًا
وجود تقدير لا يعني بالضرورة اتخاذ خطوة
إدراك الفرص الريادية
95%
يفترض أن يدفع الناس لبدء مشاريعهم
لكن 57% يخافون من الفشل
الخوف يعيق التحرك رغم وضوح الفرص
البدء في النشاط الريادي
13.4%
يفترض أن عدد المؤسسين يفوق عدد القائمين
لكن نسبة القائمين أعلى (16.5%)
الكثير يبدأ… ثم يتوقّف سريعًا
طبيعة دوافع التأسيس
87.2% / 81.4% / 66.5% / 64.1%
يفترض أن تكون الدوافع الطموحة هي الأقوى
لكن أعلى الدوافع كانت: إرث عائلي ثم الضرورة الاقتصادية
غلبة الدوافع غير الطموحة تُشير إلى ضعف التحفيز الداخلي
الخلاصة السلوكية 💡🧠

فهم الفجوات السلوكية في رحلة الريادة هو الخطوة الأولى نحو تصميم سياسات وتدخلات أكثر فاعلية.  فلا يكفي أن نعرف “ماذا يحدث”، بل لماذا لا يحدث “ما نرجوه”. ولهذا، لا يُعد توظيف أدوات العلوم السلوكية ترفًا تحليليًا، بل ضرورة لإطلاق الإمكانات الكامنة، وتفعيل المشاركة الفعلية في الاقتصاد الريادي.

بعد اطلاعي على تقرير GEM، لفتني ما يحمله من مؤشرات سلوكية ثرية تستحق تحليلًا يتجاوز مجرد قراءة الأرقام. وهذه المقالة هي بداية سلسلة تحليلات سلوكية عبر “بسّطها”، نحلّل فيها المؤشرات كبوّابات لفهم السلوك الريادي السعودي، وتحديد ما يلزم من تدخلات تفعّل الإمكانات غير المستثمرة.

📬 اشترك في نشرتنا البريدية ليصلك كل تحليل فور نشره.

 

✍️ البندري فهد الحربي

متخصصة في علوم السلوك وتحليل البيانات السلوكية
لدعم قرارات السياسات العامة والتسويق

تعرف على الكاتب

شارِك… ودَع النقاش السلوكي يمتد 💬