من المقايضة إلى كأس العالم 2034: كيف أصبح التسويق قوة للتحولات الوطنية

في بداياته، كان التبادل التجاري بسيطًا، يقوم غالبًا على مبدأ “سلع مقابل سلع”. ومع تطور المجتمعات، تغيّر مفهوم التسويق من وسيلة للترويج إلى أداة إستراتيجية تعكس التحولات الاجتماعية وتشجع السلوكيات الإيجابية.

في السنوات الأخيرة، اتخذت المملكة العربية السعودية خطوات كبيرة نحو التحول الاجتماعي والاقتصادي ضمن رؤية 2030. اختيار السعودية لاستضافة كأس العالم 2034 لا يقتصر على كونه حدثًا رياضيًا فحسب، بل يعبر عن طموح وطني يهدف إلى دمج التنمية الاقتصادية مع تعزيز الهوية الثقافية للمملكة على المستوى العالمي.

قامت وزارة السياحة السعودية بتنفيذ حملات تسويقية متميزة منها حملة “روح السعودية“. لم تقتصر هذه الحملة على تسليط الضوء على المواقع الطبيعية والتراثية، بل ساهمت أيضًا في تعزيز الانتماء الوطني وتشجيع السياحة الداخلية. هذا يظهر كيف يمكن للتسويق السلوكي أن يساهم في تحسين المجتمع من خلال تغيير سلوك الأفراد نحو اختيارات أفضل.

بهذا الشكل، تجاوز التسويق دوره التقليدي ليصبح قوة محركة تؤثر في المجتمع بأكمله، تصوغ هويته، وترسم مستقبله. في هذا المقال، سنستعرض كيف تحول التسويق من مجرد تبادل للسلع إلى أداة استراتيجية تخدم الأهداف الوطنية طويلة المدى.

قبل قرون، في عصور (ما قبل سنة 1700 ميلادية)، كان الناس يتبادلون السلع مباشرة: أنت تعطي جارك دجاجة مقابل بعض القمح مثلاً. لم يكن هناك إعلانات أو حملات ترويج، بل كانت السمعة والثقة هي الأساس. إذا عُرفت بأنك تبيع بضاعة جيدة وصادق في كلامك، كنت تبني قاعدة من العملاء. لكن إذا خدعت شخصًا واحدًا، كان ذلك كافيًا لتدمير سمعتك وخسارة السوق بأكمله.

مع مرور الزمن، أدركت المجتمعات أن المقايضة لها قيود. ماذا لو لم تجد شخصًا يحتاج إلى دجاجك، ولكنه يمتلك القمح الذي تريده؟ أو إذا كانت السلع غير متساوية في القيمة؟ هذه الأسئلة كانت هي البذرة الأولى لفكرة توحيد القيمة وتسهيل التبادل عبر عملات معدنية كالذهب والفضة.، توسعت الأسواق وأصبحت التجارة تمتد إلى القرى والمدن المجاورة. ولكن مع هذا الامتداد توسعت التحديات …

كيف يمكن للتجار أن يعرضوا بضائعهم في مدينة لا يعرفهم أهلها ويقنعونهم بأنها الأفضل؟

هذه الأسئلة كانت البداية لفكرة التسويق كما نعرفه اليوم

مع قدوم الثورة الصناعية (1700 – 1900)، شهد الاقتصاد تحولًا كبيرًا بظهور المصانع التي تنتج كميات ضخمة من السلع بتكلفة منخفضة.. كان الفارق التنافسي يصنعه السعر وحجم الإنتاج. حيث فضل الناس شراء المنتجات الأرخص والأكثر توفرًا. لكن بعد أن تشبّعت الأسواق بالسلع المتشابهة، أصبحت التساؤلات …

هل السعر وحده يكفي لجذب العملاء؟

 وهل الكميات الكبيرة تجعل المنتج مميزًا؟

هكذا تطورت أساليب التسويق، من التركيز على “الأرخص” إلى تقديم “الأفضل بالمزايا”

مع مطلع القرن العشرين، خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية (1945–1970)، تغيّرت ملامح المجتمعات الاستهلاكية جذريًا. فالغرب دخل في فترة ازدهار اقتصادي، وبرزت طبقة وسطى جديدة تملك القدرة الشرائية، لكنها لم تعد تكتفي بالمأكل والملبس فقط. هذه الطبقة أصبحت تتطلع إلى منتجات تعبّر عن هويتها الاجتماعية، قيمها، ومشاعرها.

كان السعر مهمًا، وجودة السلعة أساسية، لكنهما لم يعودا كافيين وحدهما. ظهرت بذلك حقبة “التسويق العاطفي“، التي تهدف إلى بناء علاقة عاطفية بين المنتج والمستهلك. قامت الشركات الكبرى بإطلاق حملات تسويقية تعتمد على هذا الاسلوب، مثل حملة “كوكاكولا” التي ربطت المشروب بلحظات السعادة العائلية، وحملات “تايد” التي عرضت ربات البيوت فخورات بنظافة ملابس أسرهن. هذه الحملات عززت صورة المنتجات كجزء أساسي من الحياة اليومية. كما في الحملات التسويقية أدناه:

مع اقتراب نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين (1990–2010)، شهدت قواعد اللعبة تحولاً جديداً مع ظهور الإنترنت. ففي عام 1994، ظهرت أول حملة إعلانية رقمية لشركة AT&T على موقع HotWired، معلنةً بذلك انطلاق عصر التسويق الرقمي. في تلك الفترة، كانت مجرد نقرة المستخدم على إعلان رقمي تُعتبر حدثًا ثوريًا، حيث تضمن الإعلان جملة بسيطة:

“Have you ever clicked your mouse right HERE”

WhatsApp Image 2024-12-14 at 5.32.38 PM (1)

لأول مرة أمكن عرض إعلانات رقمية تفاعلية، واستهداف فئات محددة بدقة. ومع ازدياد قوة الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات السلوكية الضخمة، استطاعت الشركات معرفة احتياجات كل عميل وتقديم توصيات خاصة به، مثل “أمازون”. منصات التواصل الاجتماعي منحت العملاء فرصة التعبير عن آرائهم، فتتعلم الشركات من ذلك وتنشئ منتجات وخدمات أكثر ملاءمة لرغباتهم.

اليوم، لم يعد التسويق مجرد عرض المنتجات، بل أصبح يهدف إلى بناء علاقات مع العملاء من خلال فهم سلوكهم وقيمهم. يركز التسويق السلوكي على تلبية احتياجات وهوية المستهلكين بناءً على تحليل تصرفاتهم وتفضيلاتهم، وليس فقط على السعر أو التوفر. إنها عملية تبدأ بتقديم المنتج وتنتهي بإقامة علاقات مستدامة مع العملاء.

ومع تنامي وعي المستهلكين بالقضايا الاجتماعية، أصبحت الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية عناصر أساسية تؤثر في قراراتهم الشرائية. لم يعد الاهتمام مقتصرًا على جودة المنتج فقط، بل يشمل اختيار علامة تجارية تشاركهم قيمهم. في إطار رؤية 2030، أصبح التسويق في السعودية أداة محورية لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية.

استنادًا إلى تحليلنا السلوكي لحملة “روح السعودية”، التي أشرنا إليها في مقدمة المقال، قامت وزارة السياحة السعودية بتنفيذ حملات تسويقية فعّالة تهدف إلى زيادة السياحة الداخلية. وقد اعتمدت الحملة على عدة أدوات من العلوم السلوكية، أبرزها: 

  • تأطير الرسائل (Framing): ربطت الرسائل بالهوية المحلية لتعزيز الشعور بالفخر والانتماء.
  • الدليل الاجتماعي (Social Proof): عرضت شخصيات موثوقة تشجع الآخرين على تقليد سلوكياتهم.
  • تأثير التعرض المتكرر (Mere Exposure Effect): حافظت على تواجد الأفكار في أذهان الجمهور من خلال التكرار المستمر.
  • المكافآت (Rewards): قدمت حوافز لتحفيز المشاركة الفعالة من الجمهور مثل الخصومات، والهدايا التذكارية، وبرامج الولاء لتشجيع المواطنين على زيارة المزيد من الوجهات السياحية داخل المملكة.
  • المعاملة بالمثل الاجتماعية (Social Reciprocity): شجعت على التفاعل المجتمعي وتعزيز العلاقات بين الأفراد.

بلغ عدد زيارات السياحة الداخلية في المملكة العربية السعودية لعام 2023 77 مليون زيارة، منها 27 مليون زائر من الخارج أنفقوا 150 مليار ريال.

أحمد الخطيب وزير السياحة

الاستدامة أصبحت أيضًا جزءًا محور أساسي في تسويق المشاريع الكبرى في السعودية، مثل “نيوم” و”القدية”. لم يعد التركيز مقتصرًا على جذب الاستثمارات، بل أصبح الهدف تشجيع الناس على تبنّي سلوكيات صديقة للبيئة. ففي “مشروع البحر الاحمر” مثلًا، يتم الاعتماد على الطاقات المتجددة وتحلية المياه بطرق تحافظ على البيئة، في حين تسعى “القدية” إلى ابتكار مرافق ترفيهية تراعي الطبيعة وتحفّز الزوار على سلوكيات أكثر استدامة.

هنا يظهر دور “التسويق السلوكي”، الذي لا يكتفي بالإعلان التقليدي، بل يطمح إلى التأثير في سلوك المستهلكين اليومي وجعل الخيارات المستدامة جزءًا من ثقافة المجتمع.

هل يمكن أن يكون كأس العالم أكثر من مجرّد بطولة رياضية؟

عند استضافة السعودية لكأس العالم 2034، لا ينبغي النظر إلى هذا الحدث كمجرّد تنافس رياضي، بل بوصفه منصة إستراتيجية لتقديم الهوية الوطنية إلى العالم. هنا تظهر أهمية التسويق السلوكي بوصفهما أدوات حاسمة لفهم دوافع الجماهير، وتشكيل تجارب متكاملة تسهم في ترسيخ صورة إيجابية ومستدامة عن المملكة.

هذه الأدوات لا تتوقف عند حدود الإعلان التقليدي، بل تشمل استخدام الأدوات السلوكية وNudging لتوجيه الزوار نحو الأنشطة التراثية، وصياغة رسائل تجذب الجمهور بفعالية، وتحضيرهم لبناء توقعات مسبقة تعزز ارتباطهم بالبيئة الثقافية السعودية قبل وصولهم إلى المملكة..

تجربة قطر في كأس العالم 2022 تقدّم مثالًا حيًّا على قوة هذه الأدوات. فقد استثمرت الدوحة العلوم السلوكية لتقديم محتوى ثقافي مصمم بعناية، وتخصيص مسارات تفاعلية ترشد الزوّار دون إرشاد مباشر، وتعزيز الامتثال الاجتماعي (Social Norms) الذي يدفع الجماهير تلقائيًا للمشاركة في الفعاليات التراثية والاستمتاع بالتجربة. هذه الأساليب لم تكتفِ بإبهار الضيوف، بل رسمت صورة مميزة عن قطر في الأذهان.

الخلاصة السلوكية 💡🧠

 

تجربة قطر أثبتت كيف يمكن للعلوم السلوكية أن تعزز تجربة الزوار وتبرز الهوية الثقافية خلال الأحداث الرياضية. ويمكن للسعودية الاستفادة من هذه الدروس لتوظيف العلوم السلوكية بذكاء في كأس العالم 2034، مما يعزز مكانتها كوجهة عالمية تمزج بين الرياضة والتراث بأسلوب يلهم العالم

✍️ البندري فهد الحربي

متخصصة في علوم السلوك وتحليل البيانات السلوكية
لدعم قرارات السياسات العامة والتسويق

تعرف على الكاتب

شارِك… ودَع النقاش السلوكي يمتد 💬