كيف يُعيد الدماغ تشكيل قراراتنا الغذائية دون وعي: منظور تحليلي سلوكي

العادات والخلود | بسّطها

تقول الأساطير إن في جزيرةٍ تُدعى «بيميني» بجزر الباهاما يوجد بها ينبوعًا عجيبًا؛ من شرب منه عاد شابًا لا يشيخ. وفي الصين القديمة، ظلّ الأباطرة يبحثون عن حبّةٍ ذهبية أو قطرات زئبق تمنحهم حياة بلا نهاية. أما في الهند، فقد تخيّلوا شرابًا سماويًا يُسمّى «أمريتا» يهب من يتذوقه الأبدية. وفي اليونان، كان سرّ خلود الآلهة يكمن في طعامهم السماوي «أمبروزيا» وشراب «نكتار».

حكايات مختلفة، لكنّها جميعًا تصبّ في حلم واحد: حلم الإنسان المستمر بالخلود. هذا الحلم لم يتوقف عند الأساطير، بل تبعناه عبر العصور؛ من الفلاسفة الذين ناقشوا بقاء الروح، إلى الكيميائيين القدماء الباحثين عن «إكسير الحياة»، وصولًا إلى علماء اليوم الذين يحاولون عبر التقنية إطالة العمر.

لكن ما يثير فضولي حقًا، وما زلتُ أعجز عن فهمه تمامًا: كيف يظلّ الإنسان متشبّثًا بفكرة الخلود حتى اليوم؟

فالناس يتذمّرون من الفواتير التي لا تنتهي، ومن هموم الحياة وعلاقاتها المرهقة، ومع ذلك لا أحد يريد النهاية. أساطير «إكسير الحياة» وقصص الأنمي وافلام الخيال العلمي عن تجميد الأجساد واستنساخها، كلها تعكس شيئًا أعمق من كل هذا التعب: غريزة البقاء.

حتى لو اقتنع العقل أن الدنيا مرهقة، يبقى الجسد يقاوم. وقد يصل الإنسان إلى مئة عام، لكن آخر عشرين أو أكثر منها قد تكون مليئة بـالعجز والمرض.

وهنا يبرز السؤال الأهم: ماذا لو استطعنا أن نطيل في العمر فعلًا؟ هل يكفي أن نعيش سنواتٍ أكثر، إذا كانت مثقلة بـالمرض أو العجز أو فقدان الذاكرة؟

فالفارق بين أن تعيش ٨٥ عامًا كرقم، وأن تعيش ٨٥ عامًا بصحةٍ حقيقية، قد يحدّده شيء بسيط: إضافة سيرب محلى بالكراميل لكوب قهوتك ، سهرة تمتد إلى الفجر، أو دهون مهدرجة تتسلّل إلى وجباتنا يومًا بعد يوم. هذه التفاصيل الصغيرة لا تمرّ دون أثر، بل هي التي تشكّل ببطء آخر عقدين من حياتنا 🙃

جودة الحياة لا تُقاس بعدد السنوات فقط، بل بنوعية ما نعيشه خلالها ..

فما نأكله، وكيف نتحرك، وكم ننام، ونوعية أفكارنا وتفاعلنا مع التوتر والآخرين . ليست قرارات كبيرة تُتخذ مرة واحدة، بل سلسلة من الاختيارات اليومية التي إمّا ترفع مستوى العافية أو تُضعفه.

عام 1965، أطلق باحثون في مقاطعة ألاميدا بكاليفورنيا واحدةً من أطول الدراسات الصحية في التاريخ. تتبّعوا حياة أكثر من سبعة آلاف شخص على مدى عشرين عامًا، فاكتشفوا أن الفارق بين عمرٍ مثقل بالأمراض وعمرٍ يُعاش بطاقةٍ وذاكرةٍ جيدة، تصنعه سبع عادات بسيطة: نوم كافٍ، حركة منتظمة، وزن متوازن، إفطار ثابت، تجنّب التدخين والكحول، والابتعاد عن الوجبات الخفيفة غير الصحية.

بسيطة، أليس كذلك؟ و ليست وصفة معقدة … بل نفس مضمون النصائح التي رافقتنا في الإذاعة المدرسية كل صباح ….

المعلومات الصحية والتغذوية متوفرة، وتطبيقات حساب السعرات والالتزام بالعادات الجديدة والنوادي الصحية و و و … في كل مكان. ومع ذلك، أغلب الأمراض التي تدفع ملايين لعلاجها اليوم لا تأتي من جوع أو حروب… بل من فائض الطعام وعادات يومية غير متوازنة.

فالمشكلة ليست فيما نعرفه، بل في ما نختار أن نطبّقه كل يوم.

لم تعد المشكلة في نقص المعلومات — فهي متاحة للجميع — بل في القدرة على تحويل المعرفة إلى ممارسة يومية ثابتة. هذا ما تسميه العلوم السلوكية فجوة النية–السلوك (Intention–Behavior Gap)؛ أن نعرف ما ينبغي فعله، لكننا لا نفعله باستمرار. وهنا يبدأ

التحدي الحقيقي: إذا كنا نعرف أنماط أكلنا منذ عقود، ولدينا اليوم الأدوات والتطبيقات والبرامج لمتابعتها، فلماذا نفشل في الالتزام بها؟

الإجابة لا تكمن في حاضرنا فقط، بل في العمق التاريخي لعاداتنا الغذائية؛ فنحن نتصوّر أن قراراتنا الغذائية فردية تمامًا، وعندما نفشل في الالتزام بنظامٍ صحي نميل إلى تفسير ذلك بأنه ضعف في الإرادة أو الانضباط. لكنها في الحقيقة مُبرمجة ضمنيًا؛ فالمعايير الاجتماعية، والبيئة المادية، والرسائل التسويقية، والموروث الثقافي كلها تشكّل ما يبدو "اختيارًا شخصيًا". وحتى على المستوى البيولوجي، تُظهر أبحاث الإبيجينيتيك أن أجسادنا ما زالت تحمل بصمات تجارب الأجداد الغذائية، لتنعكس في أنظمتنا الأيضية عبر الأجيال ..!!.

ولهذا، فإن أول ما يتناوله الإنسان صباحًا لا يُختار من فراغ؛ فالمصري يتجه إلى الفول أو الفلافل، والسعودي إلى العريكة أو الكبدة، والبريطاني إلى البيض والفاصوليا واللحم المقدد، والياباني إلى الأرز والسمك. هذه الأطعمة التي نعدّها "إفطارًا تقليديًا" لم تنشأ اعتباطًا، بل تشكّلت بفعل ظروف اقتصادية وبيئية سابقة ثم ترسّخت كجزء من الهوية الثقافية. ولو كان الأمر مجرد جوع صباحي، لاكتفى الجميع بساندويتش بيض متاح في كل مكان.

وهكذا نفهم أن عاداتنا الغذائية لم تولد اليوم، بل هي تراكمات متوارثة: ما بدأ كوسيلة للبقاء تحوّل إلى رموز اجتماعية وهوية جماعية، لنصل اليوم إلى مفارقة قاسية للأسف — ما كان يومًا وسيلة للحياة، أصبح اليوم أحد أبرز مسببات أزماتنا الصحية، والميزانيات الضخمة تُصرف لعلاج آثاره.

لكن هل تعلم أنه حتى مفهوم “الغذاء الصحي” نفسه ليس ثابتًا… !

ففكرة أن هذا الطعام صحي أو غير صحي ليست قرارًا فرديًا بحتًا، بل هي نتاج شبكةٍ معقّدة من الجهات التي تصوغ معاييرنا الغذائية.

فعلى المستوى العالمي، تضع منظمة الصحة العالمية (WHO) ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) توصياتٍ علمية تستند إلى الأدلة لتحديد نسب الدهون والسكريات والأملاح المناسبة لصحة الإنسان.

أما محليًا، فتعمل الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودية (SFDA) على ترجمة هذه التوصيات إلى سياساتٍ عملية تهدف إلى تعديل السلوك الغذائي العام، مثل:

  • فرض ضريبة المشروبات الغازية في السعودية ودول الخليج.
  • إلزام المطاعم والمقاهي بإظهار السعرات الحرارية في القوائم.
  • تطبيق لوائح الحد من الملح والسكر والدهون في المنتجات الغذائية.

هذه الإجراءات ليست تنظيمات إدارية فقط، بل إعادة تصميم بيئتنا اليومية لتجعل “الخيار الصحي هو الخيار الأسهل”.

ومع ذلك، يظل القرار في طبق كل فرد محكومًا بـانحيازاتٍ معرفية أعمق من اللوائح والقوانين، وما يزال التحدي سلوكياً مستمرًا.

ولا يمكننا إغفال الدور الذي تلعبه الثقافة المجتمعية في منح المعاني للطعام. فعادة صبّ السمن على يد الضيف مثلًا هي تقليد سعودي قديم يُعبّر عن الكرم والوجاهة، خصوصاً لأصحاب المواقف المشّرفة٫ إذ كان السمن في الماضي من أغلى ما تملكه الأسرة.

لكن هذه العادة — مثل غيرها من الممارسات الرمزية — تُقابل اليوم بانتقاداتٍ صحية بسبب محتواها العالي من الدهون والكوليسترول. وهكذا نجد أن رموز الكرم القديمة قد تصطدم أحيانًا مع معايير “الصحة الحديثة”، فيكشف ذلك التناقض بين القيمة الاجتماعية للأكل وقيمته الصحية — وهو أحد التحديات السلوكية الكبرى في تغيير العادات الغذائية بالمجتمعات الخليجية والعربية.

وفي المقابل، تمارس الرسائل التسويقية والإعلانات والتغليف تأثيرًا معاكسًا لا يقل قوة؛ فهي لا تبيع المنتج فحسب، بل تبيع معه مشاعر ووعودًا ذهنية: السعادة، الرشاقة، النجاح، والاستحقاق الذاتي.

وهكذا تتحول المنتجات إلى رموز نفسية أكثر من كونها طعامًا، فيغدو السؤال: هل هذا المنتج “صحي” فعلًا، أم أنه مجرد استغلالٍ تسويقي ذكي؟

كثيرٌ من المنتجات المعروضة في أقسام “الحمية” أو “الأغذية العضوية” تُقدَّم بعباراتٍ توحي بـالاختيار الواعي، مستندةً إلى مكوناتٍ تبدو إيجابية مثل الحبوب الكاملة (Whole Grain Oats) أو الكينوا أو اللوز.

هذه المكونات تُروَّج عادةً على أنها مغذية لأنها تحتوي على الألياف والدهون الصحية وبعض الفيتامينات والمعادن مثل الكالسيوم والحديد، مما يمنحها هالةً صحية (Health Halo Effect) تُقنع المستهلك بأنها خيارٌ أفضل — لكن عند التعمّق في المكونات، نجد أن التركيبة الفعلية قد تحتوي على السكر وشراب الجلوكوز والزيوت النباتية التي تُقلّل من القيمة الغذائية الحقيقية، رغم مظهرها “الصحي” الذي تبرزه العبوة والإعلانات.

اليوم، لم يعد “الصحي” مجرد توصيةٍ غذائية، بل نتيجة صراعٍ ناعمٍ بين العلم والسياسات والسوق والثقافة والتقنية. كل جهةٍ تحاول تعريف “الصحة” وفق رؤيتها، وكل فردٍ يتلقّى “حقيقته الغذائية” من الجهة التي يثق بها أكثر:

هل يصدّق الطبيب والخبراء؟ أم المؤثّرين على وسائل التواصل؟ أم ثقافة العائلة والمجتمع؟

خذ مثلًا هَبّة الماتشا في السنوات الأخيرة؛ تسويقٌ مكثّف جعلها “الخيار الصحي الجديد” البديل للقهوة، ورسائل تروّج لفوائدها في نضارة البشرة ورفع الطاقة، خصوصًا عند خلطها بـ “الحليب النباتي”.

امتلأت منصات مثل تيك توك وريلز إنستغرام بمقاطع تكرّر هذه الوعود بنبـرة شبه علمية: “اشربها بدون سيرَب لتحصل على الفائدة القصوى”.

... .. ثم، مع نهاية عام 2025، انقلب الخطاب فجأة؛ فظهرت مقاطع تحذّر من أن “الماتشا تسبب تساقط الشعر”!

تساؤل بسيط يفرض نفسه: من قال أولًا إنها مفيدة للبشرة؟ ومن قال لاحقًا إنها مضرة؟

ومن بين هذه الموجات أيضًا، انتشر ادعاءٌ بأن الماتشا تؤثر على هرمونات الذكورة أو “لا تناسب الرجال” لكن الدراسات العلمية ع حد- بحثنا — أكدت أنه لا يوجد أي دليل على تأثير مباشر للشاي الأخضر أو الماتشا في هرمون التستوستيرون أو الخصوبة.

الأثر الوحيد المحتمل هو انخفاض طفيف في امتصاص الحديد والزنك عند الإفراط في الاستهلاك، كما أوضحت دراسة منشورة في American Journal of Clinical Nutrition (Disler et al., 2001) ، وهو أثرٌ محدود وغير مقلق في الكميات المعتدلة.

في الحالتين، يُستخدم الأسلوب نفسه — لغة علمية سطحية، ومقاطع قصيرة، وإحساس بالاستعجال المعرفي — حتى بات “العالم يركض” خلف موجات من الحقائق المؤقتة بدلًا من الفهم الحقيقي للصحة.

تُظهر أمثلة كثيرة أن مفهوم “الصحي” ليس ثابتًا، بل يتغير مع العِلم والزمن والسياق الاقتصادي والاجتماعي. خذ القمح مثلًا: في ثقافتنا اليومية, يكاد لا يمر صباح من دون خبز — تميس، بر، صامولي، توست … حتى صار الخبز عنصرًا أساسيًا لا يُفكّر فيه أصلًا، بل يُعتبر من “ضروريات الفطور”.

المشكلة ليست في الخبز بحد ذاته، بل في الإفراط والتكرار؛ فعندما يتحوّل إلى عادة يومية تُمارس ثلاث مرات في اليوم، يزوّدنا بكمية من النشويات المكرّرة تفوق حاجة الجسم، خاصةً مع نمط حياة أقل حركة مما كان عليه أجدادنا، ومع انتشار أنواع القمح المُعدّلة والمعالجة صناعياً التي تقلّ فيها الألياف وتزداد فيها الكثافة النشوية

والمفارقة أن أغلب الناس يعرفون هذه الحقائق، يسمعون التحذيرات ويقرؤون عن ارتفاع نسب السكري والسمنة، ومع ذلك لا يتغيّر السلوك بسهولة.

كثيرًا ما يُقال إن القمح ليس المشكلة، “بدليل أن العمالة الباكستانية والأفغانية يأكلونه من نفس مخابزنا يوميًا ولا يتأثرون.”

لكن هذا التفسير يتجاهل حقائق علمية موثقة حول اختلاف نمط الحياة والسياق الصحي بين المجموعات، وليس نوع القمح نفسه.

فالأنماط الغذائية الشائعة بين العمالة الوافدة في الخليج — مثل “التميس والبخاري” — امتدادٌ لما اعتادوا عليه في بلدانهم الأصلية (روتي، شباتي، برياني). هذه الأطعمة منخفضة التكلفة وغنية بالكربوهيدرات، وتمنح طاقةً طويلة المدى، مما يجعلها منطقية اقتصاديًا وثقافيًا بالنسبة لهم.

كما أن طبيعة أعمالهم الشاقة تتطلّب طاقة مستمرة، فهؤلاء يستهلكون السعرات بسرعة، فتتأخر آثارها السلبية — لذلك لا تظهر للعيان بسهولة

عرض الدراسات | بسّطها
5a7314fb 6309 46a8 86ea 8bbfbfcc9d7f

كثيرًا ما يُقال إن القمح ليس المشكلة، “بدليل أن العمالة الباكستانية والأفغانية يأكلونه من نفس مخابزنا يوميًا ولا يتأثرون”.

أنماط الهجرة وتأثيرها الصحي في الخليج

PLOS ONE (2017) – Chaabna, Cheema & Mamtani Migrants, healthy worker effect, and mortality trends in the Gulf Cooperation Council countries

حلّلت الدراسة الاتجاهات الصحية والوفيات في دول مجلس التعاون الخليجي مع تركيز خاص على تأثير العمالة الوافدة. بيّنت أن المهاجرين يظهرون في البداية “تأثير العامل الصحي” (Healthy Worker Effect) أي أنهم أكثر صحة لأن عملية الاستقدام تختار الأكثر قوة بدنيًا.

لكن مع مرور الوقت، تتراجع صحتهم بسبب العمل الطويل ونمط العيش، وضعف الوقاية الصحية، مما يرفع معدلات السكري وضغط الدم.

📍 المصدر: PLOS ONE – 2017

Screenshot 2025 11 04 at 6.03.08 PM

التغيرات في السلوك الغذائي للعمالة الوافدة

Khan et al. (2020) Food & Migration: Dietary Acculturation among Migrants to the Kingdom of Saudi Arabia

دراسة شملت أكثر من 800 عامل وافد في الرياض، توضح كيف تتغير العادات الغذائية بعد الاستقرار في السعودية: من أكل البيت إلى الوجبات الجاهزة والمشروبات الغازية بسبب ضغط الوقت وسهولة الوصول.

كما لوحظ استخدام الطعام كـ مكافأة نفسية بعد العمل المرهق، مما يزيد السعرات ويقلل النشاط.

📍 المصدر: PubMed Central – 2020

Screenshot 2025 11 04 at 6.05.11 PM

الظروف المعيشية وتأثيرها على الصحة

Kristiansen & Sheikh (2014) International Journal for Equity in Health

الدراسة توضح أن كثيرًا من المهاجرين يعيشون في بيئات عمل وسكن قاسية مع ضعف وصول للرعاية الصحية، واعتماد على طعام منخفض الجودة والسعر، ما يؤدي لتدهور الصحة على المدى الطويل.

📍 المصدر: SAGE Journals – 2014

Screenshot 2025 11 04 at 6.42.40 PM 2

النشاط البدني وصحة العمالة

Kashif et al. (2022) Relationship between Physical Activity Level and BMI among Pakistani Labourers in Saudi Arabia

شملت الدراسة 130 عاملًا باكستانيًا، ووجدت أن 54٪ يعانون قلة النشاط البدني خصوصًا بعد الانتقال من أعمال شاقة لأعمال مكتبية أو قيادة.

النتيجة: البيئة الجديدة تقلل الحركة وترفع الوزن تدريجيًا.

📍 المصدر: JPMA – 2022

Screenshot 2025 11 04 at 6.05.57 PM
العادات والخلود | بسّطها – الجزء الثاني

تُظهر الدراسات الأربع حول نمط العمالة الوافدة في دول الخليج أن الخطر لا يكمن في القمح ذاته، بل في اختلال التوازن بين السلوك الغذائي وسلوك الحياة — فعندما تقلّ الحركة ويبقى الأكل كما هو، يختلّ التوازن… ويبدأ الخلل الصحي.

هذه التحوّلات لا تعني أن العلم كان مخطئًا ثم صحّح نفسه، بل تعكس تطوّر فهمنا للسياق الذي نعيش فيه. فما كان مفيدًا في زمن الماضي قد يصبح عبئًا في زمن الحاضر.

من منظور سلوكي، وبلغة بسّطها: لماذا يعرف الفرد “الصحيح” ولا يطبِّقه؟ ولماذا نعود إلى المألوف رغم الوعي؟

من منظور علم السلوك، لا يُقاس الوعي الصحي بما نعرفه أو نردّده، بل بما نمارسه فعليًا لحظة اتخاذ القرار. معظم الناس يدركون العادات الصحية منذ عقود، لكن التحدي ليس في معرفتها بل في الالتزام بها. فالكثيرون ما زالوا يجدون صعوبة في تحويل هذا الوعي إلى سلوكٍ يوميٍّ مستمر.

فعندما نتعب أو نُرهق، يتراجع النظام المنطقي ويتقدّم النظام التلقائي، فتتقدّم “الراحة” على “الصحة” دون وعيٍ منا… خذ هذا المثال من واقع الكثير منا … في منتصف الدوام، بعد صراعٍ مع ملفّ “إكسل” ثقيل، تخرج في “البريك” لتأخذ قهوتك المعتادة … وأمام الكاشير تقول لنفسك:

…..اليوم طويل… أحتاج شي يرفع المزاج.

ولأنك مرهق ولاتقاوم والمغريات من السكريات واللغاويص أمامك … تأخذ لك قطعة حلى ثم تكرّر العادة نفسها في اليوم التالي…والذي يليه …. وهكذا يستمر شراء الحلى أسبوعًا بعد أسبوع.

….وفي نهاية الأسبوع، تراجع نفسك وتقول: “الأحد القادم أبدأ الجدّ.” وتعود حليمة لعادتها القديمة .. هذا التناقض بين ما نؤمن به وما نمارسه يُعرف في علم السلوك بـ فجوة النية–السلوك (Intention–Behavior Gap). ويحدث لأن الدماغ لا يعمل بنظامٍ واحد، بل بنظامين: الأول سريع وتلقائي (System 1 Thinking) — يعتمد على العادة والعاطفة والحدس، والثاني بطيء ومنطقي (System 2 Thinking) — يتطلّب تركيزًا وجهدًا ذهنيًا.

في لحظات التعب أو الضغط، يتراجع النظام المنطقي ويتقدّم التلقائي، فنختار ما يمنحنا راحة فورية بدلاً من فائدة مؤجّلة. وهنا تبدأ الانحيازات المعرفية تتحكم بنا دون وع منا فنختار ما يمنحنا راحة فورية بدلاً من فائدة مؤجّلة.

وهنا يظهر انحياز الحاضر (Present Bias) — إذ يفضّل الدماغ لذّة “الآن ،المتعة الفورية” على منفعة “الغد”، لأن قطعة الحلوى تُفعّل نظام المكافأة العصبية (Reward System) وتُفرز الدوبامين، فتمنح إحساسًا فوريًا بالرضا بعد يومٍ من الجهد الذهني الطويل. وتردد كلمه " انا استاهلها لان يومي طويل " …… لكن ما إن ينتهي هذا الشعور، ويبدأ الضمير يصحي يظهر التناقض الداخلي: “أنا أعرف أن هذا غلط، ليش سويت كذا ” هذا انحياز آخر بـ التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance)، فنحاول تهدئة التوتر الداخلي بتبريراتٍ مريحة: “ما تفرق مرة وحدة”، “اليوم كان متعب.” وهكذا يصبح التبرير أسهل من التغيير. ومع الوقت، يُعاد تثبيت انحياز الوضع الراهن (Status Quo Bias)؛ فالعادات اليومية المألوفة — نفس القهوة، نفس المكان، نفس الحلوى — تمنحنا استقرارًا نفسيًا، بينما يبدو التغيير مجهدًا وغير مضمون.

🌍 كيف تُشكّل البيئة قراراتنا دون أن نشعر…

كل يوم يظهر “نظام غذائي جديد” و”نصائح متضاربة” على تيك توك وإنستغرام، لكن الحقيقة أن قراراتنا الصحية لا تُتخذ في فراغ؛ فالعقل لا يعمل بمعزل عن البيئة التي تحيط به.

الطريقة التي تُرتَّب بها الخيارات حولنا هي ما يُعرف في علم السلوك بـ هندسة الاختيار (Choice Architecture) — كيف نصمم البيئة حولنا بطريقة تخلي بعض الخيارات تلقائيًا.

رفوف السوبرماركت، مواقع الإعلانات، حتى ترتيب المنتجات في تطبيقات التوصيل… كلها تُصمَّم لتُوجّهنا نحو الاختيار الأسهل، لا بالضرورة الأصَحّ.

تُستخدم الألوان والعروض والعناوين لتفعيل المحفزات السلوكية (Behavioral Triggers) التي تستجيب لها عقولنا تلقائيًا؛ فالعين تتجه إلى ما هو في مستوى النظر، والمستهلك يميل لما وُصف بأنه “خالي من السكر” أو “عضوي”، حتى وإن لم يكن ذلك الخيار الأفضل فعلاً.

ومع كثرة الأنظمة الغذائية المتناقضة في التواصل الاجتماعي (كيتو، صيام متقطع، لوكارب…) ورسائل التسويق اليومية، يرتفع ما يُعرف بـ العبء المعرفي (Cognitive Load)؛ فكلما ازدادت الخيارات، قلّ وضوح "ما هو الصح".

وعندما يرهق الدماغ من التفكير المستمر، يعود إلى ما هو مألوف — نفس الروتين، نفس الوجبات، نفس القرارات — وهي استجابة طبيعية، أي الميل لتقليل الجهد الذهني.

ومع نهاية اليوم، بعد مئات القرارات الصغيرة، يدخل الدماغ في حالة إرهاق القرار (Decision Fatigue)، فيصبح أكثر عرضة للقرارات العاطفية وأقل قدرة على الالتزام بالخيارات المنطقية (Baumeister et al., 2008).

لذلك نجد أن الكثيرين يبدؤون يومهم بخيارات مثالية وينتهون بعشاء سريع مليء بالسكريات أو فاست فود. وهكذا، لا يعود السلوك الصحي نتاج إرادة فردية فقط، بل نتيجة بيئة مصمَّمة تحيط بنا وتعيد توجيه قراراتنا دون وعي.

ولذا، لا يكفي رفع الوعي فحسب، بل يجب إعادة هندسة البيئة الغذائية نفسها — من ترتيب الوجبات في المقاصف، إلى تصميم القوائم والعروض — بحيث يصبح الخيار الصحي هو الخيار الافتراضي الأسهل (Default Option). وعلى المستوى الفردي صمّم أنت بيئتك لتقوم بدورها بصملك.

كيف تُشكّل الثقافة ذوقنا الغذائي وتوجّه سلوكنا الجمعي؟

في علم السلوك، لا تُفهم العادات الغذائية بمعزلٍ عن المجتمع الذي يحتضنها؛ فنحن لا نأكل فقط لإشباع الجوع، بل لنعبّر عن الانتماء، والهوية، والكرم، والذوق الجمعي.

ما يُعرف بـ المعايير الاجتماعية الموجِّهة (Injunctive Norms) يجعلنا نأكل كما يأكل من حولنا، لا كما نعتقد أنه “صحي”.

في الولائم والمناسبات مثلاً، تُترجم القيم الاجتماعية مثل “الكرم” إلى سلوك غذائي جماعي: كثرة الأطباق، التكرار على الضيوف، والخوف من أن يُنظر إلى القِلّة على أنها بُخل. هذه ليست قرارات تغذوية، بل رموز اجتماعية مترسخة عبر الأجيال.

ويتقاطع معها مفهوم الاستهلاك الرمزي (Symbolic Consumption)، حيث يصبح الطعام أكثر من مجرد طاقة؛ بل ذاكرة وهوية — “أكل أمي”، “مذاق الطفولة”، “عادات رمضان” — لذلك، مقاومة هذه الأطعمة لا تُواجه كمجرّد تغيير في السلوك، بل كـ تهديد رمزي للانتماء الثقافي.

ولهذا يَصعُب تبنّي الأنماط الصحية الجديدة ما لم تُترجم لغويًا وثقافيًا داخل هذا الإطار الجمعي.

هذه المستويات — الفرد، والبيئة، والثقافة المجتمعية — ليست كيانات منفصلة، بل منظومة مترابطة تتفاعل لتُنتج ما يُعرف في علم السلوك بـ السلوك الغذائي الجمعي (Collective Eating Behavior)؛ حيث تتكرّس العادات الغذائية عبر الأسرة، والمجتمع، والإعلانات، والسياسات العامة في آنٍ واحد.

فـ “الصحة” ليست قرارًا فرديًا يُتَّخذ في لحظة وعي، بل منظومة اجتماعية وسلوكية متشابكة يُعاد فيها تشكيل العادات تدريجيًا

الخلاصة السلوكية 💡🧠

لا تُبنى اختياراتنا الغذائية على الوعي فقط، بل على ما تُبرمجه البيئة والثقافة فينا دون إدراك.

فكل طبق نحبه أو عادة نكررها ليست مجرد ذوقٍ شخصي، بل انعكاسٌ لشبكةٍ من المعايير الاجتماعية، والرموز الثقافية، والإشارات البيئية التي تحدد ما نراه “طبيعيًا” أو “صحيًا”.

لذلك، لا يمكن تغيير السلوك الغذائي عبر التوعية وحدها، بل عبر إعادة هندسة بيئة القرار وتغيير الرموز الثقافية التي تمنحه الشرعية

من جعل الخيار الصحي هو الأسهل، إلى إعادة تعريف مفاهيم الكرم والمتعة والهوية ضمن إطارٍ جديدٍ للصحة الجماعية.

 ويتقاطع هذا الفهم السلوكي مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 🇸🇦 وبرامجها مثل جودة الحياة والاستراتيجية الوطنية للصحة العامة،

التي تعمل على تصميم بيئات داعمة للسلوك الصحي، وتحوّل الوعي الفردي إلى ممارسة جماعية مستدامة.

بهذا تصبح الصحة ليست مسؤولية الفرد وحده، بل نتيجة منظومة متكاملة تصمم الحياة اليومية لتجعل السلوك الصحي هو الخيار الطبيعي والأسهل للجميع.

✍️ البندري فهد الحربي

متخصصة في علوم السلوك وتحليل البيانات السلوكية
لدعم قرارات السياسات العامة والتسويق

تعرف على الكاتب

شارِك… ودَع النقاش السلوكي يمتد 💬