ما المحركات السلوكية التي تجعل بعض الجمهور يدافع عن نظام الطيبات الغذائي رغم الجدل الطبي حوله، بينما يرفضه أو يسخر منه آخرون؟

مريضٌ بالسكري اعتاد إبرة الإنسولين كل صباح، يقرّر فجأةً أن يتركها… لا لأن طبيبه طمأنه، بل لأن مقطعًا على "تيك توك" أقنعه بأن تعديل نظامه الغذائي يكفي، وأن جسده سيشفي نفسه بالغذاء وحده. مشهدٌ يبدو غريبًا ... أليس كذلك؟ لكنه لم يعد افتراضًا؛ فقد حذّرت وزارة الصحة السعودية في يونيو 2026 من "نظام الطيبات الغذائي" بعد رصد حالاتٍ دخلت العناية المركزة إثر إيقاف الإنسولين وأدوية السكري، استنادًا إلى توصياتٍ متداولة على المنصّات الرقمية.

قبل الإعلام الرقمي، كانت النصيحة والآراء تبقى في حدود من قالها ومن سمعها. أما اليوم، فقد أصبحت تعبر الحدود قبل أن تُختبَر، وتتحوّل خلال ساعاتٍ من رأيٍ فردي إلى جدلٍ عام.

أبرز ما شهده مطلع 2026 على "تيك توك" هو نقاشُ نظام الطيبات الغذائي، الذي اشتعل من جديد بعد وفاة مؤسسه في أبريل. لم يعد مجرد حميةٍ يُختلف عليها، بل تحوّل إلى ظاهرة سلوكية تكشف كيف قد يتخذ الناس قرارات صحية خطيرة بدوافع لا يوجّهها الدليل العلمي وحده. وقد أعلنت نقابة الأطباء المصرية في مارس 2026 شطب اسم ضياء العوضي من سجلاتها وإسقاط عضويته، وكان تخصصه المعلن في التخدير والعناية المركزة وعلاج الألم.

وهكذا نتجاوز الجدل حول سؤال "هل تأكل بيضًا أم لا؟" إلى ما هو أخطر بكثير. والمفارقة السلوكية التي تستوقفني أن هذا السلوك، لو جُرّد من سياقه، لقوبل بالرفض الفوري، لكنه داخل منصات التواصل الاجتماعي يكتسب معنى أكثر تعقيدًا؛ فينقسم حوله الجمهور بين من يدافع عنه، ومن يرفضه أو يسخر منه.

كود تحليل التعليقات جدول تصنيف التعليقات في إكسل مخرجات التحليل البرمجي مدونة رموز التحليل السلوكي

اعتمد التحليل على منهجية تحليل المحتوى النوعي الموجّه ↗ (Directed Qualitative Content Analysis) ضمن سياق تحليل المحتوى الرقمي لتعليقات تيك توك، على نحو مشابه لدراسات طبّقت تحليل المحتوى على محتوى صحي في تيك توك ↗ لـ 1,684 تعليقًا جُمعت من 7 مقاطع فيديو تناولت نظام الطيبات الغذائي، مع حصر كمي للأنماط المتكررة داخل العينة، بهدف فهم المواقف الظاهرة والمحركات السلوكية خلفها.

فما الذي يكمن خلف هذا الانقسام السلوكي، ولماذا تتباين ردود الفعل بهذا الشكل الجذري؟

قبل أن نبحث في أسباب اختلاف المواقف، لنرَ أولًا كيف توزّعت…

حين صنّفنا مواقف 1,684 تعليقًا، تبيّن أن النظام لم يكن محل إجماع، بل بؤرة لانقسام واضح:

توزيع مواقف التعليقات تجاه نظام الطيبات
الرفض
التقبّل
المساحة الرمادية
محايد
  • الصوت الأعلى كان للرفض بنسبة 39٪؛ فالمعارضة وحدها شكّلت 31٪، وبإضافة التعليقات الساخرة تتسع دائرة الرفض لتشمل الشريحة الأكبر من المتفاعلين.
  • مساحة التقبّل 26٪، وهي مزيج من المؤيدين، والمدافعين، والمستندين إلى تجاربهم الشخصية.
  • المساحة الرمادية 30٪، منها 12٪ في موقع السؤال، و17٪ تعليقات غير واضحة أو ضعيفة الدلالة.
  • فئة محايدة صغيرة ، اكتفت بنقل المعلومة عن النظام دون موقف واضح.

لكن القراءة السطحية للأرقام قد تضلل المشهد؛ فهي تكشف شكل الاستجابة الظاهرية، لا قوة المحركات النفسية والسلوكية خلفها. فليس كل تأييد يأتي من السبب نفسه؛ هناك من يستند إلى تجربته، وهناك من يستند إلى ثقته بصاحب الفكرة. ورغم أن المدافعين المباشرين عن النظام لا يتجاوزون من العينة، إلا أن خطابهم بدا أعلى صوتًا وأكثر إصرارًا من حجمه العددي.

المحرك السلوكي الأول التجربة الشخصية كدليل فما الذي يجعل هذه الأقلية تبدو بهذا القدر من اليقين رغم الجدل؟

أكثر ما يستند إليه المدافعون ليس دراسة علمية ولا نتائج مختبرية، بل ما عاشوه بأنفسهم. فمن بين 1,684 تعليقًا، جاء 196 تعليقًا، أي ما يقارب 12٪، يستند إلى تجربة شخصية مباشرة، وهي أكبر فئة سلوكية مؤيدة في العينة. تقرأ عبارات مثل: "جرّبته أربعة أيام، النوم صار أعمق والجسم أخف".

هنا تبدو الحكمة المتداولة "اسأل مجرّب ولا تسأل طبيب" مدخلًا مهمًا لفهم الجدل. فبعض الجمهور منح التجربة الشخصية وزنًا أكبر من الرأي الطبي، مع أن ما ينجح مع شخص لا يصلح بالضرورة أن يتحول إلى قاعدة صحية للجميع.

فالإنسان بطبعه يميل إلى تصديق ما عاشه أو رآه عن قرب أكثر من المعلومة العلمية. تجربة واحدة حيّة قد تترك أثرًا أقوى من دراسة علمية، لا لأنها أدق، بل لأنها أقرب وأسهل في التذكر. وهذا ما تفسّره العلوم السلوكية من خلال الاستدلال القصصي (Anecdotal Reasoning) ، ويعززه انحياز التوافر (Availability Heuristic) ، حيث نحكم على الأمور بما يحضر في أذهاننا بسهولة، لا بما تمثّله فعليًا على مستوى الدليل.

والمفارقة أن تحسّن صحتهم قد يكون حقيقيًا، لكن ليس بالضرورة للأسباب التي يتخيلها صاحبه؛ فقد ينتج عن تغيّر الروتين الغذائي، أو الالتزام المؤقت بنمط أكل محدد، أو تقليل بعض المهيّجات التي كان يتناولها سابقًا، أو أثر التوقّعات. المشكلة لا تبدأ من شعورهم بالتحسّن، بل من القفزة الاستدلالية في تفسيره: من "هذا نفعني" إلى "أكيد ينفع الجميع"، ثم من الاستقرار الصحي مع العلاج إلى الاعتقاد بأن وقت تركه قد حان، والانتقال إلى الأنظمة الغذائية والمصادر الطبيعية بدلًا منه.

فما صحّ مع جسد واحد في ظرف واحد يتحوّل إلى قاعدة عامة بلا دليل في المنصات الرقمية. ولأن هذه القناعة وُلدت من تجربة معاشة لا من معلومة، فإن مواجهتها بالأدلة الطبية وحدها نادرًا ما تنجح؛ فهي تخاطب عقلًا يحتكم لما أحسّ به، لا إحصائيات ونظريات علمية. لكن التجربة الشخصية قلّما تعمل وحدها؛ فغالبًا ما يسبقها ويمنحها ثقتها الأولى عامل آخر: مَن الذي حمل الفكرة

المحرك السلوكي الثاني الثقة في الشخص قبل الفكرة إذا كانت التجربة تبني القناعة، فالثقة في الشخص تمنحها شرعيتها الأولى.

فكثير من المدافعين لم يتبنّوا "فكرة" بقدر ما تبنّوا "شخصًا": مؤسس النظام نفسه. جاء 150 تعليقًا، أي ما يقارب ، يستند مباشرة إلى سلطته، يُضاف إليها 87 تعليقًا، أي ، في موقع الدفاع المباشر عنه، بعبارات مثل "كلنا د.ضياء العوضي".

نحن نصدّق الكلام أحيانًا حسب مَن قاله، لا حسب قوة دليله. وهذا ما يقترب من انحياز السلطة (Authority Bias) . والأخطر أن الثقة تتمدّد؛ فحين نثق بشخص في مجاله، قد نصدّقه تلقائيًا في مجال لا يخصّه، وهو ما يُعرف بـ تأثير الهالة (Halo Effect) .

واللافت أن الثقة صمدت حتى بعد شطب المؤسس من نقابة الأطباء المصرية ، بسبب محتوى وصفته النقابة بأنه غير معتمد طبيًا. فبدل أن تُقرأ العقوبة المهنية كإشارة تستدعي التوقف ومراجعة توصياته الطبية المتداولة في مقاطع تيك توك، قرأها بعض المؤيدين كجزء من سردية أكبر ترى أن المؤسسات الطبية وشركات الأدوية تحاربه لأنه يقول الحقيقة، وأن توصياته قد تهدد مصالحها وأرباحها.

وللأسف، انقلب العقاب الرسمي إلى دليل يقوّي القناعة بدل أن يردعها، وقد ظهرت هذه النبرة في 24 تعليقًا، أي ما يقارب من العينة. وبعد وفاته في أبريل 2026، زاد التعلّق أكثر؛ فلم يعد النظام عند بعض المؤيدين فكرة قابلة للنقاش، بل امتدادًا لصاحبه وذكراه.

المحرك السلوكي الثالث الرفض الحدسي والمنطق الغذائي الدارج حين تبدو الفكرة غير منطقية قبل فحص الدليل.

في المقابل، الرافضون قرأوا النظام بطريقة ثانية تمامًا. كثيرٌ منهم رفضه من النظرة الأولى، قبل أن يفحص أي دليل. وهذا ما تسمّيه العلوم السلوكية الرفض الحدسي: حكمٌ سريع يطلقه العقل تلقائيًا ( System 1) قبل أن يشتغل التفكير التحليلي المتأنّي (System 2).

فقد انتقدت 303 تعليقات، أي 18٪، النظام بشكل مباشر، وشكّكت 170 تعليقًا، أي 10٪، في ادعاءاته الغذائية. واللافت أن أغلب هذا الرفض لم يأتِ من تفنيد علمي، بل من تصوّر بسيط ومألوف عن الغذاء: "الأكل المتوازن أحسن منه"، أو من اختصار ساخر مثل: "ولا شيء صحي عدا الموز والقهوة".

ويظهر هنا نمطان من التفكير. الأول: انطباع سريع يقول إن “الفكرة غير منطقية” من أول نظرة. والثاني: التعميم المتسرّع (Overgeneralization) ، حين تؤخذ جزئية واحدة غريبة ويُرفض النظام كله بسببها. ويرافقهما غالبًا نوع من الواقعية الساذجة (Naive Realism) : أن يشعر الشخص أن ما يراه هو الواقع كما هو، وأن من يخالفه إمّا مخدوع أو لا يرى الصورة بوضوح.

والمفارقة الألطف: المؤيد والرافض يستخدمان نفس الاختصارات الذهنية، بس بعكس الاتجاه فالمؤيد يعمّم من تجربته، والرافض يعمّم من انطباعه؛ وكلاهما حسم رأيه دون أن يفحص الدليل فعلًا!! ولأن رفض الرافض مبني على إحساس لا فهم، فهو قد يصل للنتيجة الصحيحة (النظام فعلًا غير مثبت علميًا)، لكنه لا يقدر يقنع المؤيد بها — فكلاهما يتكلّم بلغة الحدس، لا بلغة الدليل. ومن بين أدوات الرفض، تبقى السخرية هي الأعلى صوتًا.

المحرك السلوكي الرابع المقاومة النفسية حين يتحوّل الرفض إلى سخرية.

خلف كل تعليق ساخر يقف محرّك نفسي أعمق من الطرافة. فـ المقاومة النفسية (Reactance) هي نفورنا التلقائي حين نشعر أن أحدًا يحاول فرض قناعة أو نمط حياة علينا. وكلما زاد الترويج الحماسي للنظام، زادت رغبة بعض الناس في مقاومته والسخرية منه.

زادت السخرية المضادة، لا لأن الناس درسوه ووجدوه خطأ، بل لأنهم يرفضون أن يُملى عليهم ما يأكلون. وقد ظهر هذا في 140 تعليقًا، أي ، بعبارات مثل: "دلّع الروح عشان كم يوم وبتروح". فالسخرية هنا ليست مجرد طرافة، بل الشكل الظاهر لهذا النفور؛ آلية رفضٍ سريعة تُسقط جدية الفكرة قبل أن يبدأ النقاش، وكأن النكتة تقول: "هذا الكلام لا يستحق أن يؤخذ بجدية".

لكن ليست كل التعليقات دفاعًا أو رفضًا؛ فبين الطرفين منطقةٌ تسأل ولم تحسم.

شملت هذه المنطقة 209 تعليقات، أي 12٪، مثل: "هل ينفع لمرضى الضغط؟". وهي مهمة لأنها تمثّل جمهورًا لم يحسم موقفه بعد؛ ما زال يسأل بدل أن يدافع أو يسخر، وقناعته لم تلتصق بهوية بعد، ولهذا هو الأقرب للإقناع. وهنا تكمن الفرصة والخطر معًا: إن وصلته معلومة طبية واضحة فقد تحميه، وإن غابت، قد يميل إلى التجربة الأقرب أو القصة الأكثر إقناعًا.

المحرك السلوكي الخامس الانحياز التأكيدي: حين يتحوّل الرأي إلى خطر النقطة التي تمسّ الدواء والعلاج والحياة.

وحين يميل المتردد إلى تطبيق النظام بدلًا من العلاج، نصل إلى نقطة الخطر. فمع أن 95٪ من التعليقات كانت منخفضة الخطورة، حملت 11 تعليقًا فقط، أي ما يقارب ، نصائح صحية خطرة، مثل الدعوة إلى إيقاف الأدوية. قد يبدو الرقم صغيرًا، لكن تعليقًا واحدًا من هذا النوع قد يكلّف حياة.

وهذا الخطر لم يبقَ داخل التعليقات فقط؛ فقد ظهر في تحذيرات صحية وتغطيات إعلامية في أكثر من بلد، من بينها السعودية ومصر والمغرب، مع رصد حالات وصلت إلى الطوارئ والعناية المركزة بعد اتباع النظام أو إيقاف العلاج، من بينها حالة طفل دخل في غيبوبة بعد إيقاف الإنسولين استنادًا إلى نصيحة متداولة.

فما الذي يجعل مريضًا يتجاهل تحذير طبيبه أصلًا؟ هنا يدخل الانحياز التأكيدي (Confirmation Bias) ؛ فمن ثقته المسبقة، يفسّر أي تحسّنٍ بسيط كدليلٍ على صحة النظام، ويتجاهل ما يخالفه، حتى تتحوّل فكرته من "هذا يريحني وحالتي مستقره" إلى "لم أعد بحاجة للدواء". وهكذا تكتمل الحلقة التي حذّرت منها وزارة الصحة السعودية : من دعوةٍ لإيقاف الإنسولين، إلى أتباعٍ تبنّوها بثقة، إلى حالاتٍ دخلت العناية المركزة.

فالخطورة لا تأتي من كثرة التعليقات، بل من طبيعة الفكرة حين تنتقل بثقة. عندما تُبنى القناعة على شخص نثق به أو تجربة قريبة، قد تمر النصيحة الخطرة عبر القنوات نفسها التي تمر منها النصيحة العادية؛ بلا فلتر، وبنفس الدفء والقبول

لكن النصيحة لا تنتشر وحدها؛ فخلفها يدٌ خفية تضاعف صوتها: خوارزمية التوصية في تيك توك

ما يجعل هذا الجدل أوسع من حجمه الحقيقي ليس عدد المؤيدين أو الرافضين فقط، بل طريقة عمل المنصة نفسها. فالخوارزمية لا تسأل: "هل هذا المحتوى صحيح؟"، بل: "هل يثير تفاعلًا؟". وكل ما يحرّك المشاعر، إعجابًا أو غضبًا أو سخرية، يُكافأ بانتشار أوسع. وهنا يظهر ما يُسمّى اقتصاد الانتباه (Attention Economy) : المحتوى الذي يوقف الإبهام عن التمرير هو الرابح، لا الأصحّ.

والمفارقة أن الطرفين يخدمان الخوارزمية معًا: المؤيد بحماسته، والساخر بنكتته. فكل تعليق غاضب أو ساخر هو، في نظر النظام، "تفاعل ناجح" يدفع المقطع إلى جمهور أكبر. وهكذا يتحوّل الجدل الطبي إلى وقود للانتشار، وتصبح محاولة دحض الفكرة بالنقاش، مهما كانت محقّة، مجرد تفاعل إضافي يوسّع وصولها.

هنا لا يصبح دور العلوم السلوكية تصحيح المعلومة فقط، بل فهم الطريق الذي تسلكه حتى تتحوّل إلى قناعة.

فالمحتوى المضلّل لا ينتشر دائمًا لأنه أقوى علميًا، بل لأنه يصل بطريقة قريبة من الناس: بوجه مألوف، ولغة بسيطة، وقصص تشبه يومهم، وفي لحظة يبحثون فيها عن إجابة.

ويبدأ التدخّل من اختيار المعركة الصحيحة. فإقناع المتشبّث بقناعته قد يكون مضيعة للجهد؛ لأن الفكرة صارت جزءًا من هويته. أما المتردّد الذي ما زال يسأل، فهو الفرصة الحقيقية. والذكاء السلوكي أن نصل إليه في لحظة سؤاله بالضبط، حين يبحث أو يستفسر، لا بعد أن يحسم أمره.

والأهم أن نحصّن قبل أن نصحّح. فالتصحيح بعد انتشار الفكرة قد يثير المقاومة، أما حين نعرّف الناس مسبقًا على شكل الخدعة — كيف تبدو الوعود التي تَعِد بشفاءٍ بلا دواء — فإنهم يصبحون أقدر على كشفها بأنفسهم حين تصلهم. وهذا ما يُعرف بـ التفنيد الاستباقي (Prebunking). لكن التحصين وحده لا يكفي ما لم نخاطب الحاجة لا القناعة؛ فخلف من ينجذب لهذه الأنظمة رغبةٌ صادقة في التحسّن، أو خوفٌ من المرض، أو تعبٌ من رحلة علاج طويلة. وحين نخاطب هذه الحاجة بصدق بدل أن نسخر منها، نفتح بابًا للإقناع لا نغلقه.

وفي النهاية، لا يكفي أن نرفع الوعي، بل أن نصمّم البيئة الرقمية نفسها لتجعل الخيار الصحيح هو الأقرب والأسهل: أن يظهر المصدر الموثوق أولًا حين يبحث الناس عن النظام، وأن تُبطّأ النصيحة الخطرة قبل أن تنتشر، وأن تصل الرسالة الصحية بلغةٍ بسيطة تجيب عن السؤال الحقيقي في ذهن المريض: ماذا قد يحدث لجسمي لو أوقفت العلاج اليوم؟ ومتى يكون تغيير الغذاء مساعدًا لا بديلًا عن الدواء؟

Psychological Inoculation / Prebunkingالتحصين النفسي / التفنيد المسبق

Go Viral! Experiment

التحدي السلوكي

انتشار التضليل الصحي حول كوفيد-19، خصوصًا حين تُصاغ الرسائل بطريقة عاطفية أو عبر خبراء زائفين أو نظريات مؤامرة تجعل المعلومة المضللة أكثر قابلية للتصديق والمشاركة.

التدخلات السلوكية

اعتمدت التجربة على التحصين النفسي والتفنيد المسبق (Psychological Inoculation / Prebunking)، من خلال لعبة رقمية قصيرة تجعل المستخدم يرى كيف تُصنع رسائل التضليل قبل أن يتعرض لها فعليًا. بدل تصحيح كل شائعة بعد انتشارها، تعلّم اللعبة المستخدم اكتشاف أساليب التلاعب نفسها.

النتائج

في تجربة داخل اللعبة شملت 1,771 مشاركًا، أصبح المشاركون بعد اللعب أكثر قدرة على ملاحظة أن محتوى كوفيد-19 المضلل يستخدم أساليب تلاعب؛ إذ ارتفع متوسط تقييمهم للمحتوى المضلل من 5.61 إلى 6.07، مع حجم أثر متوسط (d = 0.52). كما تحسن تمييزهم بين المحتوى الحقيقي والمضلل (d = 0.36). وفي تجربة لاحقة شملت 1,777 مشاركًا، انخفضت نية مشاركة التضليل مقارنة بالمجموعة الضابطة، لكن الأثر كان صغيرًا (d = 0.15).

Accuracy Promptدفعة الانتباه للدقة

Accuracy Prompts Experiment

التحدي السلوكي

لا يشارك الناس المحتوى المضلل دائمًا لأنهم يصدقونه، بل لأن لحظة المشاركة في المنصات الاجتماعية غالبًا تكون مدفوعة بالتفاعل، السرعة، والانطباع الاجتماعي، لا بالتوقف للتحقق من صحة المحتوى.

التدخلات السلوكية

استخدمت التجارب دفعة الانتباه للدقة (Accuracy Prompt)، وهي تذكير بسيط يظهر قبل المشاركة أو أثناء التصفح، ويدفع المستخدم للتوقف لحظة والتفكير: هل هذا المحتوى دقيق؟ الفكرة ليست منع المشاركة، بل إعادة توجيه الانتباه من التفاعل السريع إلى معيار الدقة.

النتائج

في تحليل شمل 20 تجربة بإجمالي 26,863 مشاركًا، حسّنت دفعات الدقة جودة ما يختار الناس مشاركته. وظهر الأثر أساسًا في خفض نية مشاركة العناوين الكاذبة بنسبة تقارب 10٪ مقارنة بالمجموعة الضابطة، دون خفض واضح لمشاركة العناوين الصحيحة. وهذا يجعلها تدخلًا بسيطًا لكنه مفيد في بيئات المشاركة السريعة.

Psychological Inoculation Against Vaccine Misinformationالتحصين النفسي ضد تضليل اللقاحات

Bad Vaxx Experimentتجربة Bad Vaxx

التحدي السلوكي

تضليل اللقاحات لا يعتمد فقط على معلومة خاطئة يمكن تصحيحها، بل يستخدم أنماطًا متكررة من الإقناع: قصصًا عاطفية، خبراء زائفين، خطاب “الطبيعي آمن”، ونظريات مؤامرة تجعل الرسالة أكثر تأثيرًا وانتشارًا.

التدخلات السلوكية

استخدمت التجربة التحصين النفسي ضد تضليل اللقاحات (Psychological Inoculation Against Vaccine Misinformation) عبر لعبة قصيرة تعرّض المستخدم لجرعة مخففة من أساليب التلاعب، وتدربه على اكتشافها. تركيز اللعبة ليس على تفنيد كل ادعاء صحي، بل على تعليم المستخدم كيف يتعرف على طريقة بناء الرسالة المضللة.

النتائج

في ثلاث تجارب عشوائية مسجلة مسبقًا شملت 2,326 مشاركًا، حسّنت اللعبة قدرة المشاركين على التمييز بين محتوى اللقاحات المضلل وغير المضلل، ورفعت ثقتهم في الحكم على الرسائل المتلاعبة. وظهر أثر واضح في تمييز المحتوى المضلل (d = 0.33)، وتحسن التمييز بين المحتوى المتلاعب وغير المتلاعب (d = 0.31). كما حسّنت جودة قرارات المشاركة (d = 0.34)، ورفعت التعرف الصحيح على تقنيات التلاعب من نحو 47٪ إلى 53٪. وتشير النتائج إلى أن تعليم الناس حيل التضليل قد يكون أكثر قابلية للتطبيق من محاولة تصحيح كل شائعة على حدة.

1 / 3

واللافت أن هذه التجارب لا تقيس “نسبة نجاح” مضمونة، بل تقيس ما يُعرف بحجم الأثر (Cohen’s d) ، أي قوة الفرق الذي أحدثه التدخل بين من تعرّضوا له ومن لم يتعرّضوا له. لذلك تُقرأ نتائجها كدليل داعم على أن التدخل المبكر قد يقلّل التأثّر بالتضليل، لا كوعْدٍ بمنعه تمامًا.

وما نجح عالميًا يمكن أن يكون قابلًا للاستلهام محليًا. فالجهات الصحية في السعودية، من وزارة الصحة ومنصّة "عش بصحة"، إلى الهيئة العامة للغذاء والدواء وهيئة الصحة العامة (وقاية)، تملك الثقة والقدرة على الوصول للناس، ما يجعلها في موقع مناسب لتقديم الرسالة الصحيحة بالأسلوب نفسه الذي ينتشر به التضليل: مبكرًا، بلغةٍ قريبة، وداخل المنصّة نفسها.

وهنا تتقاطع التدخلات السلوكية في الاتصال الصحي مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، خاصة ضمن برنامج تحول القطاع الصحي و برنامج جودة الحياة ، وفي الأهداف المرتبطة بـ تعزيز الوقاية ضد المخاطر الصحية وتعزيز نمط حياة صحي؛ فالتعامل مع التضليل الصحي الرقمي ليس مسألة تصحيح معلومة فقط، بل جزء من تصميم بيئة معلومات تساعد الناس على اتخاذ قرار صحي أسهل وأكثر أمانًا.

الخلاصة السلوكية 💡🧠

الخلاصة السلوكية: الناس لا يتركون العلاج لأنهم يجهلون الخطر دائمًا، بل لأن المعلومة المضللة قد تصلهم في لحظة خوف أو بحث عن بديل، وبصوت يملكون تجاهه ثقة مسبقة، وقصة تبدو قريبة من تجربتهم.

في “نظام الطيبات”، لم تكن المشكلة في فكرة غذائية فقط، بل في سلسلة سلوكية واضحة: تجربة شخصية تتحول إلى دليل، وهذا ما يقترب من الاستدلال القصصي (Anecdotal Reasoning)، ثم انحياز للسلطة (Authority Bias) يمنح صاحب الفكرة شرعية، وتأثير الهالة (Halo Effect) يجعل الثقة في الشخص تمتد إلى الفكرة كلها.

بعد ذلك يعمل الانحياز التأكيدي (Confirmation Bias)؛ فيبحث المؤيد عمّا يثبت قناعته ويتجاهل ما يخالفها. ومع خوارزمية المنصة واقتصاد الانتباه (Attention Economy)، لا يبقى الجدل في حجمه الطبيعي، بل يُضخَّم كلما زاد التفاعل معه؛ تأييدًا أو سخرية.

وهنا تبدأ الخطورة: حين ينتقل السلوك من التفاعل مع محتوى إلى قرار صحي يمسّ الدواء والعلاج. لذلك فمواجهة التضليل لا تبدأ بالسخرية من المقتنعين، ولا بالتصحيح المتأخر فقط، بل بالوصول المبكر إلى المترددين، قبل أن تتحول القناعة إلى هوية يصعب التراجع عنها.

الرسالة الصحية الأذكى سلوكيًا هي التي تصل في لحظة السؤال: بلغة بسيطة، ومعلومة موثوقة، وسؤال مباشر يسبق القرار الخطر: ماذا قد يحدث لجسمك لو أوقفت علاجك اليوم؟

✍️ البندري فهد الحربي

متخصصة في علوم السلوك وتحليل البيانات السلوكية
لدعم قرارات السياسات العامة والتسويق

تعرف على الكاتب

شارِك… ودَع النقاش السلوكي يمتد 💬