Confirmation Bias: تأثير الانحياز التأكيدي على موثوقية بيانات البنش مارك واستطلاعات الرأي في اتخاذ القرارات الاستراتيجية

في ظل زحمة الشوارع وضيق الوقت والجداول اليومية المزدحمة، أصبحت شركات توصيل الطعام الحل الأمثل لتلبية احتياجاتنا اليومية. هذه الشركات ساعدتنا على التركيز على مهامنا الأخرى دون القلق بشأن زحمة الطرق أو الانتظار في طوابير المطاعم.

من بين هذه الشركات، تميزت “ديليفيري” بنموها السريع كواحدة من أسرع شركات توصيل الطعام في السوق. بفضل سرعتها الكبيرة في التوصيل وإنجازها لعدد كبير من الطلبات يوميًا، شعرت الإدارة بفخر كبير بما حققته من نجاحات في فترة وجيزة. وحرصًا منها على الحفاظ على هذا النجاح، قررت الإدارة تقييم أدائها مقارنةً بمنافسيها باستخدام أداة المقارنة المعيارية (Benchmark).

تُستخدم أداة الـ Benchmark لمقارنة أداء الشركة مع أداء شركات أخرى ومعايير الصناعة أو المعايير الدولية، بهدف تحديد مدى تميز المنتج أو الخدمة في السوق، واستكشاف فرص تحسين الأداء.

كان هدف شركة “ديليفيري” واضحًا منذ البداية: التأكد من أنهم الأفضل في السوق وأنهم الخيار الأول للعملاء. بناءً على ذلك، ركز فريق أبحاث السوق على المعايير التي كانوا يعلمون أنهم يتفوقون فيها، مثل سرعة التوصيل وعدد الطلبات المنجزة. ورغم اقتراح قسم العمليات إضافة معايير تتعلق بجودة التواصل مع العملاء وتجربة المستخدم بناءً على الملاحظات التي تلقوها، إلا أن فريق الأبحاث لم يأخذ هذه الاقتراحات بجدية، معتقدين أن التركيز يجب أن يكون على نقاط قوتهم الأساسية.
عندما عرض فريق الأبحاث النتائج على مجلس الإدارة، جاءت الأرقام متوافقة مع التوقعات: “ديليفيري” هي الأسرع والأكثر إنجازًا للطلبات. هذا النجاح دفع مجلس الإدارة للمضي قدمًا دون إجراء أي تعديلات، وقرروا إجراء استبيان لقياس رضا العملاء، مع التركيز مرة أخرى على نفس المعايير التي تعزز تفوقهم. نتائج الاستبيان جاءت لتعزز ثقتهم بأن استراتيجيتهم كانت ناجحة. ورغم وجود تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي حول سلوك المناديب وجودة الطعام عند وصوله، تم تجاهلها تحت الاعتقاد بأن الأمور تسير على ما يرام.
لكن مع مرور الوقت، بدأت تظهر مشاكل لم تكن في الحسبان. تراجع عدد الطلبات المتكررة، وبدأ العملاء يتجهون نحو تطبيقات أخرى، وتزايدت التقييمات السلبية التي تشير إلى مشكلات في تجربة العميل. هنا أدرك فريق الأبحاث متأخرًا أن تجاهلهم لملاحظات قسم العمليات كان خطأً كبيرًا.
ما حدث مع فريق الأبحاث في “ديليفيري” كان نتيجة انحياز معرفي يُعرف بـ “الانحياز التأكيدي- Confirmation Bias “. هذا النوع من الانحياز يدفع الأفراد للبحث عن المعلومات التي تؤكد معتقداتهم السابقة، وتجاهل أو تقليل أهمية المعلومات التي تتعارض معها.

الانحياز التأكيدي Confirmation Bias: ميل الأفراد للبحث عن وتفسير وتذكر المعلومات التي تتوافق مع معتقداتنا وفرضياتنا المسبقة، مع تجاهل أو تقليل أهمية المعلومات التي تتعارض معها.

كبشر، عندما نواجه معلومات تتعارض مع معتقداتنا، نشعر بتوتر نفسي يُعرف بالتنافر المعرفي. ينشأ هذا التوتر عندما تتصارع أفكار أو معتقدات متناقضة في أذهاننا، مما يجعلنا نشعر بعدم الراحة. دماغنا يفسر هذا الشعور كأنه تهديد ويسعى لتخفيف هذا التوتر بسرعة. واحدة من الطرق التي يلجأ إليها الدماغ لاستعادة الراحة النفسية هي الانحياز التأكيدي، حيث يركز على المعلومات التي تدعم معتقداتنا الحالية ويقلل من أهمية أو يتجاهل المعلومات المتعارضة، حتى لو أدى ذلك إلى تجاهل حقائق مهمة أو اتخاذ قرارات غير دقيقة

هل يمكننا ضمان أن تظل قراراتنا المستقبلية موضوعية وغير متأثرة بهذا الانحياز الذي قد يؤثر على دقة تقييمنا للمعلومات…!!

الانحياز التأكيدي يتشكل من خلال عدة خطوات مترابطة تؤثر على كيفية معالجة الأفراد للمعلومات واتخاذ القرارات بدون وعي منهم. دعونا نستعرض كيفية تشكله وكيفية التغلب عليه:

 البحث الانتقائي عن المعلومات:

  • نميل إلى قراءة ومتابعة المعلومات التي تدعم معتقداتنا الحالية، ونتجاهل المعلومات التي تعارضها.
        • مثال: شخص يتبع “نظام الكيتو” يبحث فقط عن مقالات تروج لفوائده ويتجنب الدراسات التي تحذر من مخاطره.
        • التغلب على الانحياز: يتم البحث عن مقالات تناقش سلبيات “نظام الكيتو” ومقارنته بأنظمة غذائية أخرى لتقييم الأنسب.
   التفسير المتحيز للمعلومات:
 
  • عندما نصادف معلومات تتعارض مع معتقداتنا، نحاول تفسيرها بطريقة تقلل من تأثيرها أو تجعلها تبدو غير مهمة.
          • مثال: إذا قرأ الشخص دراسة تشير إلى نقص العناصر الغذائية في “نظام الكيتو”، يفسر ذلك بأنه يحدث فقط لمن لا يتناول المكملات.
          • التغلب على الانحياز: يتم محاولة تفسير الدراسة بموضوعية، والبحث عن أدلة تدعم أو تعارض الاستنتاجات بدلاً من رفض النتائج غير المريحة.

   التذكر الانتقائي للمعلومات:

  • نميل إلى تذكر المعلومات التي تدعم معتقداتنا، بينما ننسى أو نتجاهل المعلومات التي تتعارض معها.
      • مثال: يتذكر الشخص فقط القصص الإيجابية عن فقدان الوزن مع “نظام الكيتو” وينسى القصص التي تتحدث عن الآثار الجانبية.
      • التغلب على الانحياز: يتم تدوين جميع المعلومات، سواء كانت إيجابية أو سلبية، وإعادة قراءتها بشكل دوري لتجنب التذكر الانتقائي.
الخلاصة السلوكية 💡🧠

 

ويبقى التحدي الأكبر هو حماية قراراتنا المستقبلية من تأثير الانحياز التأكيدي. للتغلب على هذا،يجب أن نكون على دراية بأننا قد نكون عرضة لهذا التحيز، وأن نعمل على تحليل المعلومات بموضوعية .. في المقالات القادمة، سنستعرض أدوات واستراتيجيات عملية للتغلب على هذه الانحياز وضمان اتخاذ قرارات فعالة ومدروسة.

✍️ البندري فهد الحربي

متخصصة في علوم السلوك وتحليل البيانات السلوكية
لدعم قرارات السياسات العامة والتسويق

تعرف على الكاتب

شارِك… ودَع النقاش السلوكي يمتد 💬