حياتنا عباره عن سلسلة اتخاذ قرارات يومية من لحظة رن المنبه على الساعة ٨ صباحاً، فتبدأ حينئذ تقرر هل تستيقظ مباشرة وتذهب لدوام، أم تأخذ غفوة خمس دقائق، ولا تسحب على الدوام كلياً وتأخذ إجازة …!
تُعد عملية اتخاذ القرار جزء اساسي من حياتنا اليومية، مئات القرارات كل يوم وقد تزيد٫ هناك مصادر ترى بأن الشخص البالغ يتخذ حوالي 35000 قرار شبة يومي…متخيل هذا الكم من القرارات !!
موضوع وش تأكل اليوم؟ هذا قرار، من أي مطعم تختار وجبة الغداء هذا قرار ثاني، من أي تطبيق تطلب هذا قرار ثالث، من فيكم ينزل يفتح الباب لمندوب التوصيل هذا قرار رابع …!! الحياة عباره عن قرارات في قراراتl
يُعرّف صنع القرار بأنه : عملية التفكير في اختيار خيار منطقي من الخيارات المتاحة
تتسم بعض القرارات بأنها مصيريه وأكثر جدية، أحياناً تستغرق وقتًا طويلاً، قد تتطلب منك المجازفة وتشعرك بالتوتر والقلق ومن المحتمل أن يمتد تأثير القرار على المدى البعيد على سبيل المثال: قرارات شراء منزل جديد، اختيار شريك الحياة, إجراء طبي .. الخ. ومن جانب آخر بعض القرارات تبدو بسيطة أو حتى سطحية لدرجة أنك بالكاد تدرك أنك تتخذها ولا تستغرق سوى ثواني معدودة
أيهما تُحب أكثر الشاورما أو البرقر
؟
طيب لحم أم دجاج
؟
غالباً أنك بتجاوب بشكل سريع جداً وتلقائي على هذا السؤال، لماذا؟
لأن عقولنا على مر السنين طورت اختصارات ذهنيه تسمى بــ ” الاستدلال – Heuristics” نستخدمها لتبسيط حل المسائل الحياتية والمشكلات التي تواجهنا، لنتعامل مع الكم الهائل من المعلومات التي نواجهها في يومنا, سيساهم ذلك بتسريع عملية اتخاذ القرار خاصة القرارات البسيطة أو الروتينية، حيث أن الاستدلال يسمح لنا باتخاذ هذه القرارات بسهولة نسبية بأقل جهد معرفي وبدون أن نقضي وقتاً طويلاً في تحليل كل التفاصيل عند كل قرار نتخذه خلال اليوم
لكن حتى وإن كان القرار الذي نتخذه بسيطًا، فعندما نُخير بين شيئين أو أكثر لابد أن تمر عمليه اتخاذ القرار بعقولنا على عدة مراحل حينما يتم تقديم خيارات لنا يتطلب الامر أولاً أن نقوم بتحديد القرار وبالنسبة لسؤالنا عن تفضيلك الشاورما مقابل البرقر٫ فهذه خطوة تعتبر سهلة جداً – فأنت تعلم أن القرار يقع بين وجبتين غذائيتين، فتبدأ بجمع المعلومات ذات الصلة: “…. اليوم جمعة….. يعني إجازة….. الآن وقت العشاء ….. أنت مرره جوعان … “ وأثناء تصفحك بالسناب شات مصادفة شاهدت إعلان عن مطعم برقر ومن التصوير شكله لذيذ ، قررت تأخذ برقر لحم لرغبتك بوجبة دسمة ليوم إجازتك
من ثم تحدد البدائل هل هناك خيارات أخرى غير المطعم الذي تم اختياره أم هو مناسب لمعاييرك؟ “…. السعر معقول…. يوجد خدمة توصيل إلى المنزل…. “ بعد أن عرفت معايير القرار حان الوقت لتقييم نظرًا لأنه يعتمد على تفضيلاتك الشخصية، ما عليك إلا أن تقرر بناء على تجاربك السابقة مع الشاورما والبرقر أيهما تفضل الان؟ وأخيرًا أنت على استعداد لاتخاذ القرار والخطوة الأخيرة هي التفكير في هذا القرار هل كنت موفق في اتخاذ هذا القرار ام لا
بالمناسبة، كيف نعرف بأن قرارتنا صحيحة أم خاطئة…؟
أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال يطول لن نكتفي باختيار إحدى الاجابتين، فاتخاذ قرارات بجودة أعلى وبكفاءة ليس بالأمر السهل كما تظن…! لنفترض بأن هناك أب لديه عائلة مكونه من خمس أطفال لديه شقة متوسطة الحجم، مع نمو عائلته الصغيرة لم تعد تلبي احتياجاته كما كانت، رأى الأب بأن قرار ” شراء منزل بدلاً من شقة ” هو الحل الأنسب للمشكله التي يواجهها
لاحظ أن الاب يرى بأن: “شراء منزل بدلاً من شقة” كـ حل و ليس [تحديد المشكلة] إذ أن سبب المشكلة الرئيسية هو [عدم وجود مساحة كافية مقارنةً مع عدد أفراد العائلة] فضلاً، شاهد معنا العرض التالي لتتضح الفكرة لديك…….








النموذج أعلاه يتضح لنا من خطواته بأنه دقيق مهتم بالتفاصيل، بالقلم والورقة يدون كل نقطه ويفصل في تقييم كل خيار هذا النموذج أحد النماذج الشائعة في اتخاذ القرار يسمى “القرار العقلاني – Decision Making “ هو كما رأينا عبارة عن عملية خطية متعددة الخطوات، مصممة لحل المشكلات بدءًا من تحديد المشكلة وتعريفها إلى الوصول للحلول لاتخاذ قرارات سليمة منطقية، هذا النموذج يعتبر نموذجًا جيدًا لاتخاذ قرارات لأنه يعتمد على الطريقة العقلانية المنطقية في حل المشكلات
تفترض نظرية "الانسان الاقتصادي- Homo economicus" على أن الانسان عقلاني واعي، يحاول تعظيم الفائدة الخاصة به ليحقق مكاسب نقدية وغير نقدية. لكن علماء الاقتصاد السلوكي لديهم رأي مناقض لهم حيث أنهم أثبتوا بأن الانسان في الواقع غير عقلاني في اتخاذ قراراته لأسباب عدة
لكن بالمثال السابق كان عامل الوقت مساعد لنا لدينا متسع من الوقت، لكن ليس كل القرارات كذلك، لن يكون لدينا الوقت الكافي لاتخاذها حتى وإذا كانت قرارات مصيريه قد يطلب الطبيب من أحدهم التوقيع على اجراء طبي عاجل وأي تأخير فيه قد يضاعف من المشكلة الصحية بشكل أسوء القرار هنا مصيري لكن الوقت لا يسعفنا بأن ننهج بخطوات نموذج “ القرار العقلاني – Decision Making “ فهو لايعد أفضل نموذج عندما تكون تحت قيود الوقت أو في موقف سريع التغير
من المهم أيضًا أن تتذكر أنه لن يكون لديك دائمًا جميع المعلومات التي تحتاجها لاستخدام هذا النموذج وحتى إذا قمت بذلك، فإن إجراء الخطوات كاملة ليس فعالًا أو ضروريًا لبعض القرارات غالباً لا يتفق الجميع بالقيام بهذه المنهجية الا اذا كان هناك مستشار أو متخصص بالموضوع
لذلك هربرت سيمون لديه رأي مختلف تماماً عن افتراضات الاقتصاديين التقليديين كما في النموذج أعلاه التي تفترض أن أغلبية الناس عندما ترغب في الحصول على منتج ما فهي تركز عند الاختيار بأن تحصل على الفائدة بأقل سعر، مثلاً في حال رغبة أحدهم بشراء تلفاز فهم سيركزون على القيمة أو الفائدة المتوقعة التي يحصلون عليها من خلال شراءهم المنتج مثلاً : لماذا اشتريه ماهي القيمة التي سوف أحصل عليها؟ ماهي مميزاته؟…. ومن ثم مقارنتة بمزايا منتجات المنافسين الاخرين، ومن بعد ذلك يقوم بمقارنة الأسعار أو التكاليف
بشكل عام هم يرون بأن الناس سيختارون المنتج الذي يوفر لهم أعلى قيمة بأقل تكلفة و بأنه عقلانين باتخاذ القرار و لايتأثرون باي انحيازات معرفية بالاضافة الى امتلاكهم قدرات معرفيه غير محدوده وبأن هدفهم اذا كان مستهلكين هو تعظيم المنفعة واذا كان منتجين هو تحقيق الارباح
لذا قام هربرت سيمون بتصميم نموذج قرار أسماه “العقلانية المحدودة – Bounded rationality” لعدم قناعته بالنموذج القرار العقلاني فكرته قائمة بأننا نتخذ قرارات عقلانية ولكن في حدود المعلومات المتاحة لنا وقدراتنا العقلية بمعنى أن نسعى إلى اتخاذ قرار يكون جيدًا بما فيه الكفاية، وليس أفضل قرار ممكن.
ونشاهد نموذج “العقلانية المحدودة – Bounded rationality” في حياتنا اليومية بشكل متكرر منها في حال حددت مناسبة ودعوت أصدقائك القدامى لحضور العشاء في مساء الخميس وكنت متحمس للغاية لتحضير المناسبة بأفضل شكل لكن مع انشغالك بالعمل مر الوقت سريعاً
فجأه وجدت نفسك في نهاية الاسبوع !!! لم تبدأ بالتخطيط كما أردت ولم تقوم بحجوزات العشاء بعد ولم تتدرك ذلك الا بعد خروجك من العمل وليس لديك سوى ساعتين!! ليس لديك الكثير من الوقت لأن سيبدأ أصدقائك بالقدوم اليك عند الساعة 9 مساءً الأولوية الأولى هنا هي العثور على مطعم لايحتاج الى حجوزات مسبقة
الوقت ليس في صالحك، بالاغلب أول موافقه ستحصل عليها من أي مطعم ستقبله وترضى به لانك بموقف حرج ومع ذلك في هذه الحالة قد لايكون ما اردته بأن تكون وجبة العشاء رائعه والافضل وتليق بأصدقائك القدامى لكن “ مرضيه” لان الحاجه الأساسية هنا هي وجود بوفية العشاء ايا كانت أصناف الاطباق , تقييم المطعم , عدد الخدمات المقدمة المهم هو وجود بوفية العشاء الليله، لذا أنت أعطيهتا الأولوية على كل شيء آخر
وبالسبب ضيق الوقت ستواجه صعوبة بالعثور على مطاعم أخرى أفضل من اختيارك الحالي وذلك يعود لقله معلوماتك عن المطاعم التي لاتحتاج لحجز مسبق، وقد يتسبب لك ذلك أيضاً بدفع مبلغ اضافي عن المبلغ الاساسي لتقديم طلبك على طلبات الاخرى لانها ليست خدمة مجانية بل تكون بتكلفة ماليه إضافيه التي بالطبع ستكون خساره عليك لكن يبقى القرار الذي اتخذته مرضيه لانك مقيد بالوقت وعدم توافر المعلومات بسبب هذه القيود هذا ما يجعلنا نتخذ خيارات مرضية وليست مثالية
التصرف وفقًا للقرار العقلاني يتطلب منا ألا نتأثر بأي تحيزات معرفية وأن نكون قادرين على الوصول إلى جميع المعلومات الممكنة حول البدائل المحتملة، وأن يكون لدينا وقت كافٍ لتقييم الايجابيات والسلبيات لكل خيار محتمل ونظراً لأنه من المستحيل اتخاذ قرارات ترضي جميع هذه العوامل، فإننا نأخذ طرقًا مختصرة ونتخذ قرارات ليست الامثل والافضل ولكن مرضية ترضينا حتى لو لم تكن الأفضل ضمن حدودنا الزمنية والمعرفية وقدرتنا
✍️ البندري فهد الحربي
متخصصة في علوم السلوك وتحليل البيانات السلوكية
لدعم قرارات السياسات العامة والتسويق